الثورة أون لاين – عبد الحليم سعود:
المتابع للسياسة الأميركية منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم يلاحظ ذلك التمادي غير المقبول بسياسة التدخل وفرض الأمر الواقع على الكثير من دول العالم، بذرائع وحجج مختلفة، ولطالما أعطت الخارجية الأميركية لنفسها الحق بتصنيف باقي الدول على طريقتها كدول ديمقراطية أو إرهابية أو قمعية أو معتدلة وما شابه، وذلك وفق ما تقتضي مصالحها وأطماعها وأجنداتها التوسعية والتدخلية حول العالم، ولعل أكثر ما يلفت النظر بالسياسة الأميركية هو محاولة احتكارها لقيم الخير والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية والعدالة الاجتماعية الخ.. في الوقت الذي توجه فيه تهم الشر والإرهاب للدول والجهات والأحزاب والشخصيات التي تناهض سياساتها الاستعمارية، لتبقى هذه السياسة الغوغائية المضللة قيد الالتباس وعدم الفهم عند شريحة لا بأس بها من الناس، الأمر الذي سهّل على حماة الإمبريالية الأميركية المتغطرسة التدخل في العديد من الساحات العالمية وتخريبها كما جرى في عالمنا العربي في العقد الأخير وما قبله، في حين لا يزال البعض في عالمنا العربي رغم كل الويلات التي تسببت بها السياسة الأميركية في المنطقة ينظر إلى واشنطن كحليف وصديق ويضع نفسه في خدمة سياستها التي لطالما خذلت حلفاء أميركا قبل أن تلحق الأذى بخصومها.
ولكن هذه الحالة الأميركية الملتبسة بعض الشيء انكشفت تماماً في السنوات الماضية مع وصول شخصية متغطرسة مثل دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة، حيث أخذ على عاتقه مسؤولية كشف المخبوء والمستور من السياسة الأميركية بكل تجلياتها العدوانية والاستعمارية والتخريبية، والإفصاح عنها بالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك، مؤكداً أن لا قيم إنسانية أو أخلاقية تحكم هذه السياسة بقدر ما هي صدى لأطماع وجشع المتحكمين بقرار الشعب الأميركي، ورغبة هؤلاء بنهب الثروات الاقتصادية والباطنية لبلدان العالم والاستيلاء على كوادرها العلمية.
وبالرغم من المحاولات اليائسة التي يقدم عليها خلفه جو بايدن لتلميع صورة أميركا البشعة حول العالم، إلا أن أقل من عشرة أشهر على وصوله للبيت الأبيض أعادت التأكيد على أن أميركا لم ولن تتغير بتغير الرؤساء والإدارات، فكل التصريحات الإيجابية التي أطلقها حول السلام والأمن ورفض الحروب الباردة ما هي إلا مجرد ذر رماد في العيون لخداع وتضليل بعض الذين ما زالوا يثقون بهذه السياسة، ولعل أكبر وأهم حدثين يؤكدان ثبات هذه السياسة على مرتكزاتها الاستعمارية والانتهازية هو انسحاب أميركا من أفغانستان دون إعلام حلفائها ودون مراعاة مصالح الشعب الأفغاني الذي وقع تحت رحمة حركة طالبان وباقي الجماعات المتطرفة في البلاد، وأما الحدث الثاني فكان طعنة الغدر التي وجهتها واشنطن للحليف الفرنسي عبر سرقة صفقة الغواصات الموقعة مع استراليا، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الغدر هو صفة ملازمة للسياسة الأميركية.
خلال حكم ترامب تعرّف العالم على أميركا كأنموذج لدولة مارقة لا ترعى عهداً ولا ذمة ولا تلتزم باتفاق بحيث لا يراهن عليها أحد إلا وخذلته، حيث خرجت من الاتفاق النووي مع إيران وتنصلت من التزاماتها به، وتراجعت أكثر من مرة عن قرار الانسحاب من الشمال السوري، وقد عبر ترامب بكل صفاقة عن السبب الحقيقي لتدخل بلاده غير الشرعي في سورية وهو سرقة النفط السوري وحماية المصالح الإسرائيلية التي تشكل أولوية أميركية على ما عداها.
ورغم تشدق الولايات المتحدة بمحاربة الإرهاب في سورية ليل نهار إلا أن مجريات الأحداث تؤكد دعمها لتنظيمات إرهابية مصنفة على لوائح الإرهاب الدولية مثل جبهة النصرة في إدلب، واستمرار عرقلتها للحل السياسي في سورية عن طريق دعم مليشيات انفصالية في الشمال السوري، ومحاصرة الشعب السوري برزقه ولقمة عيشه عبر ما يسمى “قانون قيصر” سيئ الذكر، وممارسة أكبر قدر من الفجور والعهر السياسي على المنابر الأممية بذريعة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وغيرها.
لقد أثبتت الولايات المتحدة أن محاربة الإرهاب هي آخر هموم سياستها الخارجية، وأن هدفها زعزعة استقرار سورية وسرقة ثرواتها ونشر الخراب والدمار فيها تلبية لمصالح الكيان الصهيوني الحليف الأوثق للولايات المتحدة، وهي سياسة استخدمها جورج دبليو بوش عند غزوه واحتلاله لأفغانستان وتالياً للعراق وبقية القصة باتت معروفة، حيث استخدم بوش أحداث 11 أيلول عام 2001 مبرراً لغزو أفغانستان، فيما فبرك كولن باول وزير خارجية أميركا آنذاك واستخبارات بلاده ملفاً خاصاً بأسلحة التدمير الشامل في العراق من أجل التمهيد لغزوه واحتلاله، بعد حصار خانق استمر نحو عشر سنوات وقتل أكثر من مليون عراقي من نساء وأطفال وشيوخ.
اليوم لا حجة لمغرر به أو مخدوع بالسياسة الأميركية بعد كل الذي تكشف في السنوات الماضية، وخاصة لمليشيا “قسد” العميلة التي لا تزال تراهن على الاحتلال الأميركي في مشروعها الانفصالي المرفوض، فقد ينسحب الأميركيون يوماً ما تحت جنح الظلام فيجد هؤلاء العملاء أنفسهم في مواجهة ثلاثة خصوم لا مجال للصلح معهم، أبناء الجزيرة السورية الذين يعانون من ظلم وتسلط وإجرام هذه المليشيا، والنظام التركي الذي يتذرع بمشروعهم الانفصالي وأمنه القومي المزعوم من أجل الانقضاض عليهم، وأخيرا الجيش العربي السوري الذي يحمل على عاتقه مسؤولية وشرف تحرير الأرض وصيانة السيادة واقتلاع شأفة العملاء والمرتزقة والإرهابيين.. فهل يستخلصون الدرس قبل فوات الأوان؟!.