الثورة: ظافر أحمد أحمد –
يحدد الملف السوري بعضاً من طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وتركيا، إذ على الرغم من مظاهر التوتر بينهما فإنّها علاقة بين احتلالين يعمل كل واحد لتنفيذ مخططاته، على حساب السيادة السورية..، فالاحتلال الأميركي يتبنى في الجزيرة السورية ميليشيا انفصالية، يصنفها الاحتلال التركي كمنظمة إرهابية، وبدوره الاحتلال التركي يتبنى مجموعات إرهابية مسلحة لها ميول انفصالية ونزعة ارتزاق وتبعية توضحت على لسان بعض إرهابييها بأمنيات الانضمام إلى الجغرافية التركية، ومازالت واشنطن تصنف هذه المجموعات ك(معارضة معتدلة).
التباين يبدو شديداً بين الاحتلالين تجاه ميليشيا “قسد” الانفصالية ولكن هذا لا يلغي حقيقة الشراكة العضوية لتركيا في حلف ناتو، والحاجة الغربية الاستراتيجية لتركيا في تنفيذ المخططات المرسومة للمنطقة ومنطقة بحر قزوين والأسود وتنفيذ السياسات الأميركية.
وظهر أشدّ غضب نظري لواشنطن على تركيا في عهد الرئيس الأميركي السابق (دونالد ترامب) عندما أعلن عن عقوبات على شخصيات تركية عسكرية واقتصادية، وزاد الرسوم على الواردات من الصلب التركي وهدد بأنّه سيدمّر الاقتصاد التركي إذا أقدمت أنقرة على ضرب ميليشيا “قسد”، ومع ذلك مهّد الاحتلال الأميركي ذاته لتوغل قوات الاحتلال التركي إلى عفرين وإطلاق مخطط التتريك فيها..، وقام بحصر أماكن سيطرة ميليشيا “قسد” الانفصالية باتجاه المناطق السورية الغنية بالنفط.
عقوبات وجوائز
قامت إدارة بايدن بتمديد العقوبات على أنقرة في تشرين الثاني الماضي، وعبرت عن قلقها من السياسات التركية، وبنفس الوقت تواصل السكوت عن مخططات توسع الاحتلال التركي في الشمال السوري، وهذا في النتيجة لا يمكن فهمه إلاّ من خلال أسلوب واشنطن التاريخي بإرضائها الحلفاء والأدوات ب”جوائز” تضمن بها تنفيذهم لسياساتها وما تمليه عليهم، وبذات الوقت اعتمادها أوراق ضغط دائمة عليهم.. وليست تركيا خارج هذا الأسلوب الأميركي، ولا تجد واشنطن غضاضة في تسعير التصارع بين الأطراف التي تشكل أدوات لها عندما يتطلب ذلك تسويق سياستها والوصول إلى ما تخطط له..، وبرزت تطبيقات ذلك في صراعات (داعش وميليشيا “قسد” وقوات الاحتلال التركي ومرتزقته)، والخلاصة تصب لصالح المخطط الأميركي في التحكم بخيوط اللعبة، إذ يبدو لسان حال واشنطن: لتتصارع أدواتنا طالما يفيد ذلك في الاستنزاف السوري.
خدعة التوتر الأميركي التركي
ما يحدد طبيعة العلاقات الأميركية التركية هو الأهمية التي تشكلها تركيا كأقوى عضو في ناتو مطل على حوض البحر الأسود وقربها من دول بحر قزوين حيث تشكل دول منطقة بحري قزوين والأسود ثاني أهم مخزون عالمي للطاقة بعد الخليج العربي، وتعمل الشركات الأميركية على تمهيد الوصول بقوة إلى تلك المنطقة.
كما تضم الأراضي التركية المضائق البحرية الواصلة بين البحر الأسود وبحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط وكان التنافس على التحكم بمضيقي البوسفور والدردنيل السبب الأهم في انضمام تركيا إلى حلف ناتو وإغداق المساعدات الأمريكية عليها منذ 1952.
وتضم الأراضي التركية أيضا خطوط غاز مهمة تضمن نقله إلى أوروبا، إضافة إلى مشروعات وتصورات لخطوط غاز مستقبلية لا يمكن وصولها إلى أوروبا إلاّ عبر تركيا.
مقابل هذه الأهمية تغض واشنطن النظر عن شتى الأطماع التركية في الجغرافية السورية، ولا يضرّها بين الحين والآخر من التصريحات المتشددة تجاه الدور التركي أو إجراءات عقابية على تركيا تبقى من دون تأثيرات حقيقية ولا وزن لها مقابل (جوائز) الإخلاص.. من هنا تبرز أهمية عدم انخداع أي طرف دولي بأي توتر أميركي- تركي، فهو توتر شكلي ويبقي أنقرة بخدمة سياسات واشنطن طالما تركيا عضو في حلف الناتو.
