مرّ وطننا بمحن وأزمات كثيرة شكلت منعطفات مهمة في تاريخه السياسي والاقتصادي والاجتماعي على مرّ العصور ، لكنّه يمر اليوم بأقسى وأصعب المنعطفات باعتباره يواجه تحديات تستهدف وجوده بكلّ ما يحمل من تاريخ وتراث وحضارة وثقافة ، كانت في يوم سبق منبع ومهد ووعاء التفاعل الإنساني كلّه.
على مدى قرون عديدة عرفت سورية غزاة ومحتلين كثر، فكان الإغريق والرومان والمغول والفرنجة والعثمانيون والأوروبيون نماذج متباينة لأشكال احتلال وغزو واستيطان لم تستطع أن تهدد البنية الأساسية لسورية الوطن والشعب والمجتمع ، بل على العكس تماماً ، فقد ذاب الغزاة والمحتلون في المنطقة السورية واندمجوا بها أو رحلوا عنها ، الأمر الذي يعود لطبيعة السوريين كأنموذج حضاري خاص باستطاعته احتمال الصدمة مهما كانت قوية وامتصاص تأثيرها وتحويلها بذكاء كبير لانتصار أو إنجاز أو تحويل وتغييروبالتالي إلى تنازل عن الهدف من الغزو أو الاحتلال .
هذه الطبيعة السورية كانت عامل الثبات والقوة في الحفاظ على الهوية الوطنية والخصوصية السورية على امتداد التاريخ ، فما الذي حصل خارج إطار التطور الطبيعي ؟
وما المستجدات التي تضعنا أمام تحديات ومخاوف جديدة؟
لقد كانت الحرب الإرهابية المعولمة على سورية نتاج أبحاث ودراسات عميقة لخدمة سياسات واستراتيجية غربية لا تريد للحضارات الكبيرة النهوض من جديد ، وهي تريد أن تنشر ثقافة جديدة تدعوها حضارة جديدة هي الحضارة الأميركية المتخيلة ، ويعرف منظروها أن عمر ثلاثمئة سنة من عمر كيان سياسي يدعي انتاج الحضارة ، لا يمكن أن يقاس بالحضارات العريقة الممتدة آلاف السنين ، مثل الحضارة الفرعونية أو اليونانية أو الرومانية أو الصينية أو الهندية أو اليابانية أو الفارسية وخاصة الحضارة العربية الإسلامية بعد أن أصبحت دمشق منطلقها للتوسع باتجاه الإنسانية جمعاء. وهذا ما يفسر تركيز الإرهاب المعولم على سورية ودعم المشروع العدواني مادياً وعسكرياً وإعلامياً واقتصادياً بقصد إنهاء وقتل كيان سياسي واجتماعي لم تقو جميع قوى العدوان التاريخية أن تغير أو تبدل في بنيته وطبيعته.
تستفيد الصهيونية من المتغيرات والأحداث الدولية في مساعيها لتحقيق مشروعها العدواني ، فبعد تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار المجموعة الاشتراكية ظهرت نظرية( نهاية التاريخ) لفرانسيس فوكوياما والتي أعلن فيها انتصار النظرية الليبرالية باعتبارها قادرة على إيجاد حلول لجميع مشكلات البشرية ، وهذا يعني في جانب مهم منه ضرورة شطب التراث الثقافي الإنساني السابق كلّه واعتناق ثقافة الكاوبوي والبيبسي كولا ، ولم يقف الأمر هنا ليأتي دعم النظرية العدوانية هذه عبر نظرية أكثر عدوانية وهي صراع الحضارات لصاموئيل هانتغتون التي حكمت بموت الحضارات الإنسانية كلّها أمام مسمى الحضارة الأميركية المزعومة.
وباعتبار سورية الحامل الأعمق والأعرق لجوهر الحضارة العربية والتي تختزل تفاصيلها كانت الحرب موجهة باتجاهها بهذا الشكل المتوحش الذي عشناه ، فسقط أمام هذا الأنموذج العصي على الهزيمة والسقوط تاركاً ندوباً تحتاج معالجة كبيرة ، يمتلك المجتمع السوري كلّ عوامل تجاوزها ، ويمكن أن يحول المحنة والمشكلة إلى فرص للعطاء والتطوير مهما ضاقت الحال وازداد الضغط والحصار.
معاً على الطريق -مصطفى المقداد