الثورة – ترجمة ميساء وسوف:
العلاقات الروسية الصينية هي اليوم أكثر من أي وقت مضى موضوع نقاش شائع في مجتمع الخبراء والدوائر السياسية، وكقاعدة عامة، فإن هذه المناقشات تنبع من آفاق تشكيل تحالف عسكري سياسي يهدف إلى مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وأقمارها الصناعية.
لا تلتزم موسكو وبكين بمنطق المواجهة بين الكتل، على الرغم من المسار الغربي الواضح المتمثل في خلق تهديدات متعمدة بالقرب من الحدود الروسية والصينية والانخراط في استفزازات عديدة. كما لاحظ السفير الروسي في الصين مراراً وتكراراً، أندريه دينيسوف (2013-2022)، “في عدد من المجالات، اتجهت روسيا والصين إلى علاقات أعلى من العلاقات الحليفة، وذلك بسبب الضرورة الموضوعية، تنظر بلداننا إلى سياسة الشركاء الغربيين بالطريقة نفسها، إنهم لا يحتاجون إلى إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات وقبول التزامات الحلفاء”.
وفقاً لما قاله لي زانشو، رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، “واشنطن وحلفاؤها في الناتو يزيدون باستمرار من وجودهم حول المحيط الروسي، ما يهدد بشكل خطير الأمن القومي وحياة الروس.. نحن ندعم كل الإجراءات التي اتخذتها روسيا لحماية المصالح الرئيسية”.
وبحسب السياسي الصيني، يجب تعزيز التعاون الروسي الصيني في ضوء العقوبات الغربية ضد البلدين، والهدف الرئيس هو مواجهة التدخل الخارجي والبحث عن أشكال جديدة للتفاعل. كما شكر لي زانشو المشرعين الروس على إدانتهم لزيارات المشرعين الأمريكيين إلى جزيرة تايوان، بمن فيهم رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي.
يولي المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف الناتو، الذي تم تبنيه في حزيران 2022 في قمة المنظمة في مدريد، اهتماماً وثيقاً بالصين في سياق مثير للقلق. ولأول مرة، تم تسمية بكين في الوثيقة على أنها معارضة ومنافسة منهجية لحلف الناتو، وتسعى للسيطرة على القطاعات الصناعية واللوجستية الرئيسة من أجل زيادة نفوذها وتغيير النظام العالمي. يعتقد التحالف أن الصين تستخدم النفوذ الاقتصادي لإنشاء تبعيّات إستراتيجية، وإجراء عمليات هجينة وسيبرانية ضد دول الناتو وشركائه، باستخدام خطاب المواجهة والمعلومات المضللة.
ولمواجهة بكين، يعتزم الناتو “زيادة الوعي العام بإجراءات الصين، وتعزيز الاستعداد والدفاع ضد تكتيكات الصين لتقسيم الحلف”، تصف قيادة الناتو علانية تعميق الشراكة الإستراتيجية بين روسيا والصين بأنها محاولات “لتقويض النظام الدولي القائم على القواعد”، وتهديد قيم ومصالح المنظمة.
يشار إلى أن الناتو يخطط بجدية لتعزيز التعاون مع الشركاء في المحيطين الهندي والهادئ. وقد حضر القمة التي عقدت في مدريد لأول مرة رؤساء دول وحكومات الشركاء الأربعة الرئيسين للتحالف في ما يسمى بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا.
ومن الجدير بالذكر أيضاً أنه قبل أيام قليلة من قمة الناتو في مدريد، أعلن قادة مجموعة السبع عن خطط لتخصيص 600 مليار دولار لبرنامج عالمي لبناء البنية التحتية كنوع من الإجراءات المضادة لمبادرة الحزام والطريق الصينية.
وفقاً للباحثين الصينيين، فإن وضع الصين كخصم في الوثائق الرسمية لحلف شمال الأطلسي يعكس في الواقع تحول الغرب الجماعي بأكمله نحو التنافس العالمي مع بكين، بينما كان الأمر في وقت سابق يتعلق فقط بالحد من قدرات الصين في شرق آسيا والمحيط الهادي.
كما أدانت وسائل الإعلام الصينية بشدة مشاركة اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا في قمة الحلف باعتبارها تعبيراً واضحاً عن روح الحرب الباردة. إن طوكيو وسيول وكانبيرا وويلينغتون يعرضون أنفسهم لخطر أكبر، إذ ترى بكين تهديداً مباشراً في تدخل الكتلة السياسية العسكرية الموالية لأمريكا في شؤون شرق آسيا البحتة.
يميل العلماء في الصين بشكل متزايد إلى اعتماد نهج شامل في ضمان الأمن القومي، أي بناءً على أفكار أرسطو، اتضح أن الأمن العالمي أكثر أهمية من مجمل “الأمن الإقليمي”، والأمن القومي مفهوم شامل، وليس مجرد مجموع العناصر العسكرية والسياسية والاقتصادية والمعلوماتية وغيرها. قد يقود المنطق الشامل المرء إلى افتراض أن الصين وروسيا لن تكونا قادرتين على ضمان أمنهما إذا تجاهل كل منهما التحديات والتهديدات التي تواجه الآخر.
تؤكد هذه الفكرة التقارب المتزايد بين موسكو وبكين حول قضايا الاستقرار الاستراتيجي. كما لوحظ خلال الجولة 17 من المشاورات الروسية الصينية في أيلول 2022 من قبل أمين مجلس الأمن الروسي نيكولاي باتروشيف، تسعى النخب السياسية في الغرب الجماعي إلى فرض قيم زائفة على حساب مصالح شعوب العالم، بينما تدعو روسيا والصين إلى نظام عالمي أكثر عدلاً.
وفقاً ليانغ جيه تشي، الأمين التنفيذي لمجموعة الشؤون الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، فإن الصين مستعدة للعمل مع روسيا لتنفيذ التوافق الذي توصل إليه قادة الدولتين، وتعميق الثقة السياسية، وتطوير الشراكات الإستراتيجية لحماية المصالح المشتركة والحفاظ على الأمن والاستقرار في العالم.