بشكل تدريجي وبمقدمات غير مدروسة، وعاماً بعد عام يلحظ المواطن السوري كيف تتراجع الزراعات الرئيسية التي كانت تشتهر فيها سورية…فمن المهم الانتباه كيف تراجع إنتاج الحمضيات في الساحل السوري تدريجياً خلال السنوات الماضية، وكيف تراجعت زراعة القطن التي كانت مصدراً رئيسياً للخيوط القطنية وداعماً للصناعات النسيجية.. وكيف تراجعت زراعة دوار القمر والذرة وغيرها من الزراعات التي تشكل أساساً لصناعة الزيوت.
تُعزى أسباب التراجع بالدرجة الأولى لتغيرات المناخ، وبعدها يأتي غياب الدعم الحكومي لهذه المزروعات لتأتي بعض القرارات التي ليست في وقتها.. ما جعل الكثير من المزارعين يتركون مهنتهم ويهجرون حقولهم بحثاً عن وسائل أخرى للعيش…
ليس خافياً على أحد كيف تتراجع زارعة هذه المحاصيل.. وإن كانت الحمضيات مثالاً حياً من حيث التراجع الذي وصل إلى 27.3% عن المتوسط العام للإنتاج في السنوات السابقة ما هو إلا دليل على العجز في إيجاد حلول داعمة لمزارعي الحمضيات. وقس على ذلك من سياسات مُحبطة لعمل المزارعين في إنتاج البطاطا التي باعها الفلاح بأقل من سعر التكلفة بسبب استيراد هذه السلعة عند اقتراب موسم القطاف، وبسبب غلاء سعر البذار وعدم تأمينها للفلاحين بأسعار مقبولة.
لا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة لإنتاج موسم البصل .. وهي القصة التي شغلت مواقع التواصل الاجتماعي منذ أسابيع سبب الارتفاع الكبير لأسعاره.. فنحن اليوم على أعتاب موسم جديد لبصل الفريك، والذي يحتاج إلى نهاية هذا الشهر لكي ينضج بشكل كامل. إلا الكثير من المزارعين بادروا إلى جني محصولهم من البصل قبل نضجه.. وهم يتسابقون لتسويق محصولهم بحثاً عن أسعار مقبولة تعوضهم خسارتهم المرتبطة بتكلفة الإنتاج وغلاء أسعار المحروقات وأجور العمال والأسمدة قبل أن تشهد أسعاره هبوطاً سريعاً بسبب قرار الاستيراد.
في هذه الحلقة المفرغة والمشهد الذي يتكرر كل عام .. يعتبر المعنيون أنفسهم خارج إطار المسؤولية، ويبحثون عن أسباب مختلفة لا تحل المشكلة لا من قريب ولا من بعيد.. ولا تغير شيئاً من حقيقة الواقع المؤسف للزراعة.

التالي