الثورة – غصون سليمان:
لكل مهنة همومها وشجونها وفقاً لخريطة العمل التي تشغلها، وإذا كان لكل معاناته تبقى لمهنة المحاماة معاناتها المختلفة والخاصة من خلال تعاطي أفرادها مع قضايا المجتمع بشكل ميداني ومباشر وحسب الحاجة التي يحتاجها كل فرد وفي كل ميدان، فالقانون سيد العمل نصاً وتطبيقاً والهدف الأسمى هو العدالة.
فالمحاماة ترتبط بالحياة القانونية، كما تعيش في المحاكم وفي المجتمع، ويقع على المحامي واجب متعدد الأوجه والجوانب منها: واجبه نحو موكله، وواجبه نحو خصمه، وواجبه نحو المحكمة، وواجبه تجاه نفسه، وواجبه تجاه النظام القانوني في الدولة، ولكن يبقى الواجب الأعلى والأسمى الذي يقع على المحامي هو واجبه وولاؤه للعدل وأداء العدل.
لقد اعتدنا في المؤتمرات النقابية والمهنية السنوية أن تكون جرعة الطروحات كبيرة، وتشخيص المشكلات منطقية وواقعية طالما تلامس حياة الناس، وهذا ما جرى في المؤتمر السنوي لنقابة المحامين الذي عقد مؤخراً بفندق الشام بحضور كثيف من محامي سورية إذ تم طرح الكثير مما يشغل بال المحامين وباب المواطنين على السواء، البيوع العقارية، والرسوم القضائية، وإزالة الشيوع عن الأراضي وغيرها.
وفي هذا الإطار يبين المحامي جابر خضر المحمد في لقاء للثورة أنه في هذا المؤتمر تمت الإشارة للكثير من العقبات والإشكالات التي تعيق عمل المحامي بسبب بعض القوانين التي صدرت بشكل غير مريح بالنسبة للوضع الحالي للبلد والمواطن والتي منها على سبيل المثال لا الحصر: قانون البيوع العقارية رقم 15 لعام 2021 القاضي بتنظيم استيفاء ضريبة بيوع العقارات وضريبة إيجارها، لتصبح وفق القيمة الرائجة للعقارات بتاريخ المعاملة “بيعاُ، أو إيجاراً”، بعد أن كانت تلك الضريبة تُستوفى بناء على أسعار العقارات المقيّمة منذ 1986/ وهذا القانون كما يظهره واقع التطبيق على أرض الواقع أضرَّ كثيراً بمصالح الناس كونه يحدد الضريبة على البيوع العقارية استناداً لقيمتها الفعلية الرائجة والتي تحددها لجان مختصة.
كما وتحظر مواده على دوائر السجل العقاري وكتاب العدل وكل جهة مخولة بتسجيل الحقوق العينية العقارية توثيق أو تسجيل أي حق عيني عقاري ما لم يبرز أصحاب العلاقة براءة الذمة من الدوائر المالية ذات العلاقة، ويعد باطلاً كل توثيق أو تسجيل يتم خلافاً لذلك، والأمر اللافت أنه بموجب نصوص هذا القانون لايستطيع القاضي أن يصدر حكمه بأي دعوى بيع عقاري ينظر بها ما لم يبرز بالدعوى الإشعار بتسديد الضريبة من مديرية المالية، وبالتالي فإن حرية التقاضي لم تعد مصونة وفق الدستور، ولا أظن أنه يوجد مثل هذا النص في بقية الدول، وهذا الأمر يعتبر مخالفاً للدستور الذي ينص على مبدأ فصل السلطات، وهذا القانون ساهم في رفع أسعار العقارات في سورية بشكل كبير، كون مالكو العقارات لابدَّ وأنهم سيضيفون قيمة الضريبة التي ستفرض عليهم نتيجة البيع إلى سعر العقار، وهذا ينسحب أيضا إلى الإيجارات التي سترتفع كون أصحاب العقارات المؤجرة – والمكاتب العقارية – سيضيفون قيمة الضريبة على المبلغ المتفق عليه كإيجار كي لا يسددها المؤجر من جيبه، و حتى لا تقل نسبة سمسرة المكتب العقاري؟ ما شكل منشاراً جديداً على رقبة وكاهل المواطن السوري المنهك أساساً.
* أعباء الرسوم القضائية..
وحول الرسوم القضائية ذكر المحامي جابر أن القانون رقم/1/لعام 2023 المتعلق بتعديل أحكام ونصوص رسم الطابع الذي أضاف أعباء مادية كبيرة على المحامي والمواطن من جراء رفع الرسوم القضائية لعدة أضعاف
ماجعل الناس غير قادرة على تحمل تكاليف القضاء بعدما كانت شبه مجانية منذ السبعينيات كمثيلاتها من تعليم وطبابة وغيرها، وحتى عام 2010 التي كانت فيها الأمور (ضمن مقدرة المواطن العادي )، وقد باتت الآن من الماضي وأصبحت حلماً من المستحيل تحقيقه، ما جعل الهوة كبيرة في حاضر اليوم من حيث الأسعار عن حلم الأمس، نظراً للمتغيرات واختلاف الظروف فإذا كانت كلفة تسجيل دعوى في السابق لا تصل لأكثر من سبعة آلاف ليرة، فهي اليوم تضاعفت كثيراً و حسب حالة وفحوى كل دعوى؟؟ وقد طالبنا برفع مذكرة إلى الجهات المختصة لمراجعة هذا القانون الذي أرهق المواطنين لاسيما وأن الدستور السوري لم يعط أي سلطة أخرى الحق في حجب حق المواطن في التقاضي، من خلال إرهاقه بأعباء مالية استناداً إلى قانون تصدره تلك السلطة مخالفاُ له.
فالدستور أوكل إلى القانون أمر تنظيم حق التقاضي وسلوك سبل الطعن أمام القضاء، دون أن يبلغ هذا التنظيم حق حجبه أو الانتقاص منه، فهناك مبدأ عام يقول ( خير للعدالة أن يكون عشرات المجرمين خارج السجن، من أن يتم سجن شخص بريء واحد؟.
* جدولة شيوع القرى..
وفيما يخص أراضي الإصلاح الزراعي وحالة بقائها على الشيوع ذكر المحامي في هذا الجانب أنه تمت إثارة هذا الموضوع القانوني والاجتماعي الهام والخطير ونظراً لما يتركه من أثر سلبي على المجتمع الريفي السوري، لطالما تتعلق هذه الحالة بأراضي الإصلاح الزراعي، وحالة بقاء وجودها على الشيوع “بذات الحالة التي تم توزيعها على المنتفعين آنذاك “، فهذا الأمر قد يكون مقبولاً حتى أواخر التسعينات أما مابعد ذلك فقد بات الأمر يتطلب تدخل الدولة لإزالة شيوع تلك الأراضي التي قد تبلغ مساحة العقار الواحد آلاف الدونمات وفيه مئات المالكين ( منتفعين وورثة – أحياء وأموات ) وقد شكل هذا الأمر عبئاً على الأسر المنتفعة، وهذا العبء الذي تشكل عليهم لا يمكن حله عن طريق اللجوء الإفرادي بإقامة دعوى إزالة الشيوع بالمحكمة،ل ذا طرحنا أن يتم هذا الأمر عن طريق الدولة، والمقترح لذلك: أن تشكل لجنة مؤلفة من مندوب من الزراعة، والإدارة المحلية و المصالح العقارية و دائرة المساحة فيها وبرئاسة قاض من وزارة العدل، و تقوم هذه اللجنة بجدولة للقرى التي فيها هذه المشكلة و ضمن مدد زمنية ولو امتدت لأعوام، بحيث يتم إزالة شيوعها ويصبح كل منتفع ومن معه من مبحوثين وورثة في عقار مستقل، ولابأس أن تفرض أجور مدروسة بدقة على كل منتفع ومبحوث معه لقاء ذلك، فهو عندما يأخذ حصته لنفسه تهون عليه إزالة الشيوع لتلك الحصة وبشكل أفضل، منوها على أن هذا الواقع في حال بقي كما هو يشكل خطراً وخللاً وحالة من التفتت الاجتماعي.