الملحق الثقافي- وفاء يونس:
في هذه المواجهة التي ننقلها من موقع القصة القصيرة السورية، وكان قد أجراها سامي كمال الدين، ونشرت في أكثر من وسيلة إعلامية تبوح السيدة كوليت خوري بما في قلبها، فهل تغير الأمر كثيراً لنتابع معاً:
كوليت خوري كاتبة سورية كبيرة,، أقامت الدنيا ولم تقعدها حين فجرت براكين استعباد الأنثى العربية علي صفحات روايتها الأولى أيام معه والتي لاتزال تجد قارئاً يبحث عنها كلما أعيد طباعتها,، وواصلت خوري في أعمالها المختلفة التغني بمعان الحرية من خلال: رعشة,، ليلة واحدة، أنا والمدى، كيان، دمشق بيتي الكبير، ومرصيف، ومعك على هامش روايتي.، وقصة كوليت خوري مع الشاعر العربي الكبير نزار قباني تشبه رعشة اليد في لحظات الحب ولحظات الفراق، فهي تختصر حال الأنثى العربية حين تحب وحين يتخلي عنها الجميع ليتركوها وحيدة في مواجهة الطوفان.، ومع ذلك ظلت خوري التي تنتمي إلى إحدى الأسر السورية العريقة مقيمة في دواوين نزار قباني لا تبرحها حتى الآن، وها هي ذكرى رحيله الثامنة تمر في صمت يشبه اللحظة العربية الراهنة، الأهرام العربي تجدد الذكرى بالحوار مع كوليت خوري التي ارتبطت بعلاقة حب شهيرة مع نزار قباني.. فإلى تفاصيل الحوار.
– ريم بطلة أولى رواياتك أيام معه.. هل كانت قيودها التي تمردت عليها من صنع وهمها كفتاة شرقية؟
هي قيود فرضها مجتمعنا على المرأة، ولاتزال قائمة حتى الآن، فصحيح أن المرأة صارت تعمل من دون أن ينتقدها المجتمع، لكن حتى الآن هناك قيود اجتماعية وأسرية، ودوماً هناك نقد من داخل البيئة التي تعيش فيها الفتاة.
هناك فتيات يأتين إلي ويقلن لي: إن أيام معه كتبت لهن، رغم أن الفارق بينهن وبين الرواية 40 سنة، هي عمر صدور الطبعة الأولى.
– هل أجهدتك المغامرة العنيفة ذات يوم مثل ريم.. هل كسر قلبك مثل قلبها؟
كل يوم يكسر قلبي، وذلك منذ ولدت وحتى الآن، لأني دائماً أبحث عن الأفضل، وفي كل يوم يخيب أملي بطريقة ما، لكنني طموحة في البحث عن الأفضل وأسعى لتحقيقه لي ولمن حولي.
– في نهاية أيام معه تقولين إن النار الآكلة خمدت والرجل الذي طالما ودت أن تتلاشى في ظله وتضمحل بين ذراعيه أمسى غريباً عليها وكأنها تراه لأول مرة.. لماذا تبدو الغربة وكأنها مستوطنة في أدب كوليت خوري؟
لأنني صديقة دائمة للغربة، إن لم تبحث عني بحثت عنها لأني أعرف أنها سوف تأتي، عايشتها كفتاة تريد أن تعيش حياتها، وأن تعمل وأن تحقق ذاتها، كانت هناك غربة لأن الأجواء التي عشت فيها في البداية لم تكن تسمح لي بالعمل، كما أنني ولدت وصوتي جميل، ولكم تمنيت أن أصير مطربة، لكن المجتمع لم يسمح لي بأن أغني، وهذه إحدى خيباتي وجزء من دلائل غربتي. إنني أسمح الآن لبنات ابنتي بأن يغنين لأنني في زمن لم يسمح لي بالغناء، منذ ولدت وأنا أعيش في غربة، أحسستها أكثر حين منعت من السفر والدراسة في الخارج، إن وصفي لريم في رواية أيام معه ليس إلا وصفا لكل فتيات مجتمعنا، فحين حاولت أن أعمل اجتمعت الأسرة لإقصائي عن ذلك الأمر، ومن دلائل هذه الغربة أنني كنت مع التقدميين واعتبرت نفسي ضمن الطليعة، فجاءت أحزاب اليسار لتصنفني رجعية، فأصبحت أعيش الغربة غربتين.
– كانت ريم تمثل حواء الشرق، وتحتمل الإذلال مغمضة العينين، ثم إذا بكلمة بسيطة تصدمها فجأة فتتمرد، وربما يكون هذا ما أعجب بنت الشاطئ التي كانت متحمسة لإبداعاتك.. فماذا عن علاقتك بها؟
التقيت بنت الشاطئ في سوريا، وذهبت إليها فعانقتني، وقالت لي: أنت موهوبة، وقد انتقدتك حقيقة، وأتمنى أن يفيدك هذا النقد، أحبت بنت الشاطئ رواية أيام معه وأحبتني كثيراً وزرتها في مصر، وأعجبتها بعد ذلك ليلة واحدة، وقالت: يخطئ من يظن أن كوليت لن تستمر في الكتابة، فكوليت خوري طفلة كبيرة لعبتها الحرف، وهي تجيد هذه اللعبة، وبنت الشاطئ أديبة كبيرة وسيدة محترمة، وكان مديحها لي عظيماً، لأن الذين مدحوني كانوا قلائل في ذاك الزمان.
– روايتك أيام معه صدرت في الخمسينيات، وحققت لك شهرة كبيرة، وكنت في بداية العشرينيات من عمرك.. ما السر في تحقيق هذه الرواية لكل هذه الشهرة؟
المجد لا يأتي من عمل واحد، فلو لم أقدم أعمالاً أخرى لكان انطفأ مجدي إذا لم أمده بالنار دائماً، فقد قالوا وقتها إن كوليت خوري كتبت أيام معه وهي مذكرات خاصة وانتهى الأمر، ولن تستطيع أن تكتب شيئاً آخر فجاءت ليلة واحدة وظلت أغذي هذه الشعلة حتى الآن، وقد أحب الناس أيام معه واشتهرت لأن لغتي كانت صافية، فأنا من عشاق اللغة العربية، والأديب الذي لا يتقن العربية ليس أديباً، كما أنني أصوغ لغتي على طريقتي، فلا أحب الجمل الطويلة، ولا أرد إجهاد القارئ معي، أحب أن يتنفس وهو يقرأني، ولابد أن يكون لدى قارئي وقت لكي يتمتع.
– روايتك الثانية ليلة واحدة عبارة عن خطاب تكتبه زوجة إلى زوجها بعد أن تخونه.. ثم تصدمها سيارة وتموت.. كيف استطعت تجسيد حياة كاملة في ليلة واحدة.. ولماذا قتلت البطلة؟
نستطيع أن نكثف عملاً كبيراً في ساعة، يقولون إن المرء في لحظات الموت تمر حياته مثل شريط كامل أمامه، فتكثيف القصة في ليلة واحدة شيء بسيط وعادي، لكن سؤالك لماذا جعلتها تموت يحيرني كثيراً، لكنني أقول لك إنني بطبعي أكره الخيانة ولا أرضي بأن تخون امرأة زوجها، ولا أن يخون صديق صديقه، أرفض الخيانة تماماً، لذا كنت أشفق على هذه المرأة، وقلت يجب أن تعود إلى زوجها، لكن لا أريد أن أجعل منها خائنة مستمرة في الحياة مع زوجها، كما أنني أرى أن المرأة إذا أرادت أن تخون زوجها، فالأفضل لها أن تتركه، لكنها ليست من النوع الذي يستطيع أن يترك الزوج، فهي تعيش في بيت أهلها جبانة ومجبرة على الزواج، ومن ثم فإنها لا تستطيع أن تبني حياتها من جديد، لذا كان من المستحيل أن تترك زوجها.
– لقد خنتك ياسليم، إن الكلمة قذرة، لكنها تهون أمام خيانتي لنفسي إحدى عشرة سنة قضيتها في بيت رجل لا أحبه، هل تريدين أن تذهب كل امرأة شرقية لتقضي ليلة واحدة مع رجل آخر إذا كانت لا تحبه أو حسب تبرير رشا بطلة الرواية للخيانة؟
كتبت هذه الرواية لأقول إن المرأة التي لا تملك حريتها تقع في أول إغراء تصادفه في حياتها، حين كتبت أيام معه كان الجميع يقولون هذه الفتاة لا تعبر عن المرأة الشرقية، هي فتاة متمردة، لكنني أردت أن أوصل إليهم رسالة وهي أن المرأة المتحررة لا تخون زوجها، لكن المرأة غير المتحررة تقع من أول إغراء في المصيدة، وتخون زوجها، المرأة التي يحرمونها من الخروج والاحتكاك بالآخرين ستقع رأساً، المرأة المتحررة لا تخون، في حين أن الأخرى تخون من دون أن تدري أنها تخون، فهي تخون نفسها، لذا جاءت ليلة واحدة.
– هل المرأة المتحررة الآن لا تخون زوجها؟
لقد مر علي هذه القصة زمان طويل، لكنني أريد أن أوضح من هي المرأة المتحررة المرأة المتحررة هي المسؤولة عن نفسها والتي تربح معيشتها، فلا أستطيع أن أفهم أن هناك امرأة متحررة وزوجها أو أبوها أو أخوها ينفق عليها، المتحررة أولاً هي المتحررة مادياً، التي تملك المال، وثانياً المثقفة، وثالثاً أن تكون مسؤولة عن نفسها، فالتحرر مسؤولية، وحتى هذه اللحظة هناك نساء يعتبرن أنفسهن متحررات، التحرر شيء والانحلال شيء آخر، المتحررة تقول لا أريد، غير المتحررة تقول نعم لكل شيء، فمثلاً يأتي رجل ويدعوها إلى العشاء فتقول نعم، لكن المتحررة تقول لا أريدك، لا أريد أن أخرج معك.
– في روايتك الأولين تصفين قسوة والد البطلة بشكل تقريري، فوالدها حنون وقاس، لكن من دون موقف واحد لها معه يكشف عن هذه القسوة أو هذا الحنان؟
الأب الشرقي دائماً يحب بناته، وقاس لا يهتم بأي شيء حتى دراسة البنات، كما كان يحدث وقتها.
– هل كانت هناك استجابات نقدية تواكب أعمالك الإبداعية؟
لم آخذ حقي من النقد، لكن القراء كرموني، فكتبي مقروءة بشكل كبير وتطبع عدة طبعات، والأجيال الجديدة تقرأني كثيراً، لذا لا يعنيني النقد، فالناقد هو السباح الماهر الذي يدور حول اللآلئ، ويحاول أن يستمد من الإبداع ما يكتبه، ويبقي الإبداع إبداعاً رغم أن النقد يفيد في أحيان كثيرة.
– لماذا كلما كتبت قصة ثارت ضجة كبيرة حولها وهوجمت؟
لا أعرف لكنني أعتقد أن هناك شيئاً في شخصي وفي كتاباتي يثير الآخرين، يثيرهم حباً أو نقمة، هناك شيء لا أعرفه، فحتى مقالاتي في الصحف تحدث نقاشات ومشاكل، والحمد لله على كل شيء.
– وصفك النقاد بأنك تمزقين في رواياتك أستار الحياء وتخرجين عن التقاليد؟
من قال هذا الكلام لم يقرأني، فأنا أؤمن بالروحانيات، والحب عندي روحاني قبل أن يكون جسدياً، ورواياتي تحمل تحليلاً نفسياً وروحياً، ولا توجد جملة في رواياتي تعبر عن وصف جسدي سيء أبداً، أحياناً أقرأ قصصاً لنساء يصفن فيها الجسد العاري فأحس بالخجل، حتى في حياتي العادية، وأنا امرأة خجولة، وكنت دوماً أدخل في نقاشات وجدل، وكان زكريا تامر يتناقش مع المتناقشين ثم يقول لهم: هل تريدون أن نسكتها؟ إذن قولوا لها: ساقاك جميلتان، فستحمر خجلاً وتصمت، وبالفعل كان هذا يحدث معي، لست إباحية، ولا أحب الكتابة الإباحية، كتاباتي تحمل السياسة بين اليمين واليسار، والتقدمي والرجعي، وبها الروحانيات والحب والسعي نحو مجتمع أفضل.
العدد 1157 التاريخ:29-8-2023