يكاد لا يمر يوم دون أن ينتقد الإعلام الغربي، أو من ينطق هذا الإعلام باسمه، روح العداء المتنامية لدى شعوب الشرق، وخاصة الإسلامية منها، اتجاه ما يصفه بثقافة الغرب وأسلوب حياته، فيما العداء في واقع الأمر لفكر الغرب السياسي المشبع حتى أعماقه بالعنصرية الاستغلالية الاستعلائية، والذي يترجم نفسه كل يوم بأفعال وأقوال تجعل عالمنا أكثر بؤساً وظلماً، وتدفع بالضمير الحي، والعقل المنصف إلى الوقوف في مكان أخر مختلفاً عنه كلياً..
والنموذج الصارخ عن تلك الروح العنصرية تقدمه التقارير الإعلامية الملفقة، والتصريحات ذات الصلة بالمواقف السياسية الغربية، والتي بلغت ذروتها مع أحداث غزة، حيث التباكي على القتلى المحتلين، والتعامي عن الجرائم المهولة التي يرتكبونها كل لحظة ضد أبناء الأرض، وأصحاب الحق والتي راح ضحيتها – وما يزال – مئات المدنيين العزل في القطاع الأسير، وهو نهج لم يتوقف من أن اغتصبت العصابات الصهيونية أرض فلسطين، وهجرت نحو ثمانمئة ألف من سكانها بعد جرائم قتل واغتصاب يتحدث عنها بفخر مرتكبوها في تقارير تلفزيونية متوفرة على النت، ثم تكررت تلك الحالة حين كرست كل الهيئات الغربية جهودها للمطالبة بإطلاق سراح جلعاد شاليط الجندي الإسرائيلي الذي أسرته المقاومة الفلسطينية في غزة عام 2006، وكرس الإعلام الغربي اسمه كأيقونة للحرية، ثم بلغت تلك الحملة ذروتها عام 2010 بحجة بلوغ الجندي الأسير الرابعة والعشرين من عمره، في حين أنه في السجون والمعتقلات الإسرائيلية معتقلون فلسطينيون عمر اعتقالهم أكبر من عمره، وبرغم أنه – بعلم الغرب ورضاه – تصادر تحت الاحتلال الإسرائيلي حرية قرى ومدن بأكملها، وتحتجز حرية أبنائها وممثليهم المنتخبين في سجون دولة هي دولة غاصبة بعرف القانون الدولي، ومع ذلك فإن الغرب المتشدق بحقوق الإنسان لا يرى في شعب أسير ما يستحق كلمة منصفة واحدة، ولا تحرك مشاعره الصور الإنسانية اليومية المؤلمة لطفل فلسطيني يسير متمسكاً بأبيه مئات الأمتار تحت الشمس الحارقة محاولاً منع جنود غلاظ القلب والسلاح من أخذه، ولا الصورة (التذكارية) المشينة لمجندة إسرائيلية أمام عمال فلسطينيين مقيدي الأيدي ومعصومي العينيين عند جدار الفصل العنصري الذي التهم أراضيهم، وحقهم بالتحرك الحر فيها، ولا الصورة الدورية لمئات المؤمنين الذين يقفون ساعات طويلة في طوابير طويلة أمام الحواجز العسكرية من أجل أن يسمح لهم بتأدية الصلاة في المسجد الأقصى، وكل هذه الوقائع لا تثير اهتمام من يبعث بالجيوش إلى أماكن قصية بحجة الدفاع عن الحرية، فيما يتم التجاهل المتعمد لحقيقة أن الجندي الإسرائيلي قد أسر في أرض المعركة، وأنه قد أسر لمبادلته بآلاف المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بتهمة مقاومة الاحتلال، والذي بحجة إطلاق سراحه شنت إسرائيل حرباً إجرامية مدمرة على غزة ذهب ضحيتها مئات الأبرياء، ودماراً شاملاً لا يزال يخيم على كل القطاع المحاصر، كما تفعل اليوم بوحشية أكبر، وتواطئ غربي أكثر فجوراً.
مقاومة الاحتلال حق شرعته كل القوانين الدولية، وقبلها الشرائع السماوية والديانات المختلفة، فيما الأسرى الصهاينة كان يمكن في ظرف آخر أن يحاكموا كمرتزقة كون معظمهم يحملون في الأساس، وقبل أن يعطوا الجنسية الإسرائيلية، جنسيات دول ليست في حال حرب مع السلطة الفلسطينية.