يمكننا الجزم أن وسائل التواصل الاجتماعي غيرت الكثير في مشهدنا الكروي عما كان عليه سابقاً، ونعني بذلك بشكل أساسي الجمهور، وبالتالي فإن الجمهور عبرها أو عبر غيرها قادر على التأثير على الإدارات والأندية والتحكم عبر الضغط بمسارات الأندية، ولا يختلف اثنان على أن وسائل التواصل وسعت من رقعة الجمهور، وجلبت من لم يكن يهتم بالكرة من شرائح كبار السن والنساء وغيرهم من الذين يميلون في حياتهم إلى العلمية، كل هؤلاء صاروا جمهوراً متعطشاً للفوز.
عند هذه الكلمة تحديداً نقف ونتأمل ماذا فعلت بنا وسائل التواصل عدا عن أنها جعلت الجميع مشغولاً بالكرة، نعم، جعلتهم متعطشين للفوز، ومفهوم الخسارة مرفوض تماماً لديهم ويؤدي حتماً إلى الشجار عبر وسائل التواصل، والتراشق (الإعلامي) بين قوسين لأن أي شخص بسبب هذه الوسائل صار بإمكانه أن يكون (إعلامياً) ومؤثراً، وأين سيصب كل هذا الشجار والتراشق والجدل إلا على رؤوس اللاعب والمدرب والإدارة؟!.
من المنطقي أن يتفهم الجمهور الخسارة، فلن تفوز كل أندية الدوري بكل مبارياتها ولن تتوج كلها باللقب، وإذا كان الفتوة يتربع الآن على صدارة الموسم ومرشح بقوة لنجمته الرابعة، فقد سبقه تشرين إلى ذلك وسبقهما الأهلي وهكذا، وقبل الصدارة عاش الفتوة زماناً طويلاً مريراً يجتر أمجاداً غابرة، وقد انفض عن متابعته معظم جمهوره واستبدلوه بالريال أو البرشا، ولم يبق لديه من المعجبين إلا الرياضيون، وأين مدرسة الكرة السورية نادي الحرية الآن؟!
هذا الفهم هو المنطقي ولكن هل ترى جمهوراً يميل إلى المنطق فيساند نادية وقت الخسارة كما يفعل وقت الفوز؟ لا، لأنه جمهور غير منطقي لا يشبه جماهير الأندية الأوروبية، فخذ عندك كمثال الترسانة الإنجليزية الأرسنال الذي يتخبط في الظل منذ عشر سنوات بعدما كان يتوج في النور كل موسم، ومع هذا ترى جمهوره لا يكف عن شغفه به ومساندته، لأنه جمهور منطقي يفهم ثقافة السراء والضراء كما لا نفهمها.
إنه جمهور (معك في السراء فقط، وضدك في الضراء)، وإذا خسرت في أي مباراة سأرفع عقيرتي عالياً مطالباً بطرد المدرب مع طاقمه، ولا أفهم أن المدرب والنادي يحتاجان إلى الوقت الذي قد لا يكفيه موسم كامل ليحصلا معاً على الاستقرار الفني المطلوب، وأنني إذا أقلت مدرباً عند كل خسارة فلن أتوقع الفوز لاحقاً من مدرب جديد جاء على عجالة ولا يعرف حتى نفسيات اللاعبين وأوضاعهم الاجتماعية وقدراتهم المهارية المخبوءة، ونحن كلنا مطالبون بالوفاء لأنديتنا في السراء والضراء وأن نكون منطقيين على وسائل التواصل وغيرها، وألا نكون من جمهور (في السراء فقط)، وإلا فستنتهي الحماسية مع الوقت ونمل حتى من التراشق والشجار !!.