الثورة – ترجمة ميساء وسوف:
مؤخراً، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن أن القوات الأميركية ستبادر إلى بناء ميناء “مؤقت” في قطاع غزة.
ووفقاً للبيت الأبيض، فإن هذا الميناء سيقوم بدور إيصال المساعدات الإنسانية إلى سكان القطاع المحاصرين والذين قُتل منهم ما يقدر بنحو 31 ألفاً أو نحو ذلك وسط العدوان الإسرائيلي المستمر له منذ حوالي الستة أشهر.
وفي حين أن الغرض من مثل هذا الميناء يصرف الانتباه عن حقيقة أن “تل أبيب” كانت تُخضع المنطقة دائماً لحصار بحري، فلا ينبغي للمرء أن يصدق الافتراض القائل بأن أمريكا ستذهب إلى حد بناء مثل هذه البنية التحتية من منطلق الخير فقط، وبدلاً من ذلك، هناك أجندة أخرى على المحك.
ومن خلال تقديم الدعم غير المشروط لـ “إسرائيل” لغزو واحتلال قطاع غزة بأكمله بشكل فعال، على الرغم مما قد يقوله المسؤولون، تتطلع الولايات المتحدة منذ فترة طويلة إلى فرصة لمنح “تل أبيب” السيطرة على موارد الغاز الطبيعي البحرية، والتي، بموجب القانون، هذه الحقوق تابعة للدولة الفلسطينية.
وتضم هذه المنطقة، المعروفة باسم “بحرية غزة”، 1 تريليون قدم مكعب من موارد الغاز الطبيعي.
وعلى الرغم من اكتشافه عام 2000، إلا أن “إسرائيل” لم تسمح أبداً للسلطة الفلسطينية بالوصول إليه، وبالمثل، ظل قطاع غزة منذ فترة طويلة تحت حصار بحري واقتصادي فعال، ما منع تطويره خارج السيطرة الإسرائيلية.
وقد أدت بعض الأحداث العالمية التي وقعت خلال العامين الماضيين إلى تضخيم القيمة الإستراتيجية للغاز الطبيعي بشكل كبير.
وعلى وجه التحديد، دفعت الحرب في أوكرانيا الدول الغربية إلى التدافع للحصول على موارد طاقة بديلة لتقليل الاعتماد على موسكو، وخاصة تلك التي تسيطر عليها الدول “الصديقة” التي تكمل الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة.
ولتحقيق هذه الغاية، زاد الاهتمام السياسي الأوسع ببحرية غزة.
في هذه الحالة، اتخذ بنيامين نتنياهو القرار السياسي بالغزو بهدف احتلال قطاع غزة بالكامل، متجاهلاً الخطوط الحمراء الغربية وتأكيد السيطرة السياسية عليه بعد ذلك، والتي تم ترميزها على أنها “تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة”.
وهذا يعني، بالتالي، أن “إسرائيل” ستحصل أيضاً على السيطرة الكاملة على اقتصاد القطاع وموارده، وبالتالي لن تضطر إلى التعامل مع النظام القائم في القطاع كطرف مشارك في أي مفاوضات للاستفادة من موارد الغاز الطبيعي وفقاً لذلك .
ففي نهاية المطاف، تقع السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية في منطقة غير ساحلية بعيدة عن البحر وليس لديها أي نفوذ للسيطرة على موارد الغاز الطبيعي التي هي ملك لها من الناحية القانونية.
ونظراً لذلك، يبدو من المشكوك فيه أن تقرر الولايات المتحدة بناء ميناء “إنساني مؤقت” في غزة هذه المرة.
الهدف بالطبع ليس تقديم المساعدات الإنسانية، من الذي يبني ميناءً كاملاً فقط من أجل جهد قصير المدى؟.
علاوة على ذلك، هل يُحدِث مثل هذا التعهد بالمساعدات البحرية هذا الفارق الكبير عندما تستمر الولايات المتحدة في إعطاء الضوء الأخضر وتمكين القصف الإسرائيلي العشوائي على المنطقة؟ بل إن الهدف الحقيقي على المدى الطويل هو المساعدة في إعداد القطاع استراتيجياً لما يتصورونه بالفعل على أنه المرحلة التالية من الاحتلال العسكري الإسرائيلي الكامل، وهو الأمر الذي زعمت إدارة بايدن وآخرون أنهم يعارضونه ولكن لم يفعلوا شيئاً حياله.
وعلى المستوى المحلي، يعد السماح لإدارة بايدن بإعطاء الانطباع بأنها تفعل شيئاً لتفادي بعض الانتقادات، ما يسمح لنتنياهو بمواصلة الدفع جنوباً وغزو رفح، وبالتالي المضي قدماً في خططه، دون معارضة، بمثابة حيلة علاقات عامة أيضاً.
لذلك، رغم تصويره للعالم على أنه عمل خيري إنساني، فإن بناء هذا “الميناء المؤقت” هو في الواقع جزء من إستراتيجية أوسع تدعمها الولايات المتحدة لإنهاء السيادة الفلسطينية بشكل فعال على قطاع غزة، وإنشاء منفذ جديد للاجئين. ويمهد الطريق أمام “إسرائيل” للاستيلاء على مواردها من الغاز الطبيعي في هذه العملية، استكمالاً لسياسات المنافسة في مجال الطاقة بين الولايات المتحدة وروسيا.
إنها حالة كلاسيكية من “العطاء بيد والأخذ باليد الأخرى”، ومن المقرر أن يكون الميناء رصيداً فعالاً فيما سيصبح الاحتلال الإسرائيلي كاملاً لقطاع غزة.
المصدر- غلوبال ريسيرش