لا ينسى أي منا تلك الأيام التي كان يطلب فيها المعلم منا أن نتحدث عما نريد أن نكون في المستقبل، لتتنوع الإجابات وتكثر الخيارات ما بين الطبيب والمهندس ورائد الفضاء والمحامي والقاضي والفنان، وتظهر أحياناً خيارات تدعو للفكاهة والضحك، منها الذي يريد أن يكون لصاً أو قرصاناً أو راعي ماشية أو مخترعاً وغيرها، وفي تلك الحالة ينتقل الفكر إلى مرحلة مستقبلية كان كل طفل يرى نفسه فيها، ويحلم بتلك اللحظة التي يكبر فيها ويتجاوز مرحلة الطفولة والدراسة ليصل مبتغاه ويحقق هدفه، دون خوف من متغيرات قد تحصل بعد أن يأخذ العمر طريقه ويراكم الزمن أياماً وشهوراً وسنوات طويلة.
تستمع إلى ذلك الطفل الذي كنت، وتستعيد تلك اللحظات بعنفوانها الجامح وأنت تريد تجاوز الزمن والوصول إلى عمر متقدم، وتقف عندها اليوم حزيناً ومتألماً تتمنى العودة لبراءة تلك الأيام وأنت تردد الأناشيد وتأكل سندويشات الزيت والزعتر، وتتنازل عما تملك من أرصدة مالية وعقارات وسيارات وغيرها لأنك لا تجد حولك رفاقك الذين كانوا يتقاسمون معك عرائس الزيت والزعتر وسط تعالي الصرخات والقفز فوق مقاعد الدراسة.
تجلس إلى زوج كبير فيستفيض في الحديث عن أيام العزوبية وحجم الحرية التي افتقدها مع ازدياد أعباء الحياة الزوجية، في الوقت الذي تجالس أعزباً يرسل الآهات ويتحسر على ظروفه التي تحول دون زواجه ليبني أسرة نموذجية من زوجة جميلة وأطفال سعداء يزرعون الفرح في الديار كلها.
وبالمقابل ترى ثرياً يركب أحدث السيارات ويمتلك أرصدة مصرفية بأرقام خيالية يخدمه عشرات الأشخاص، يظهر حزنه ويشكو مواجعه لأنه لا يعيش حياة البساطة التي يعيشها الفقراء الذين تتعالى ضحكاتهم وهم يتجمعون حول مائدة طعام بسيطة، ويفرحون لكل حدث يعيشونه في الوقت الذي تفتقر خزائنهم للمؤنة الكافية، فيكدحون ويفرحون بالقليل من الإنتاج.
بينما ترى الفقير ينظر بحسرة لذلك الغني وممتلكاته ويسعى لأن يصبح مثله ويبدي استعداداً للقيام بأي عمل كي يصبح غنياً ويتنعم بكل ما لذّ وطاب.
أدخل مريضان إلى قسم الحوادث في إحدى المستشفيات، شاب تعرض لحادث مروري، يرافقه ذووه من أصحاب المناصب والجاه، يستدعون له المزيد من الأطباء المختصين، فيما كان يطلق الشتائم واللعنات ولا يستجيب لأطبائه.. والمريض الآخر كهل أثقلته السنون، ترتجف أطرافه وتهتز مفاصله، يجالسه ابنه ويضع يده على كتفه بحنو وخوف، فيسأله الطبيب عن حاله ممازحاً، فيجيب: الحمد لله.
في اليوم التالي خرج العجوز الكبير ماشياً بتثاقل مستنداً إلى كتف ابنه، فيما حمل أصحاب الجاه تابوت ابنهم الشاب وسط دموع الحزن الكثيفة..
تتعدد الصور، فيما يبقى السؤال المعلق يتردد في كل نفس: متى نشعر بالرضا، ونقبل حالنا.