عندما كنا في أول الصبا ننطلق إلى البراري لرعي الأبقار كان لابد لكل منا أن يحمل عصا يهش بها على أبقاره.. والراعي الجيد من يحمل عصا قوية يحتاجها في الكثير من الأمور غير الرعي.
وحين بدأت رحلة القراءة والمطالعة قرأت الكثير عن العصا في التراث العربي، وهي أحد علائم الوجاهة _كما يقول البعض_ وقد زينت يد توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم.
ومن الطرائف التي رواها الفضاء الأزرق أن حسناء جميلة تزوجت عجوزاً ثرياً جداً، وقد عبرت ذات لقاء أنها أعجبت بعصاه الجميلة فما كان من تقبيل وفاته إلا أن أوصى لها بالعصا، وبثروته لأبنائه.
وفي بيئتنا الريفية كانت العصا توضع على بوابة الدار الواسعة كعلامة أنه ما من أحد فيها.
ما أعادني إلى الحديث عن عصا الرجل الطيب الذي تجاوز الثمانين عاماً كل صباح أراه يتكئ على عصا جميلة تقترب من العكاز ولكنها ليست عكازاً.
ألقي التحية عليه ونتحدث قليلاً..يقول: يا بني بقيت وحيداً دون أنيس سافر الأبناء وتوفت زوجتي.
لهذا تراني برفقة هذه العصا أتوكأ عليها وأمضي إلى هذا المقعد على الرصيف أجلس ساعة ريثما يأتي أحد ما نتحدث وننتظر معتمد الخبز حتى يصل.
شعرت بغصة وألم أهكذا نترك في عراء الحياة بعد أن أفنينا طاقاتنا بالعطاء.
أهكذا نقترب من النهايات ولا شيء يؤنسنا إلا عصا من غصن شجرة زرعناها يوماً ما فجادت علينا بغصن منها.. بينما من سكبنا له القلب والروح والعين حين احتجنا ظل فيئه كان خارج مدار الحاجة.
لم يبق قبل أن نصل الشيخوخة إلا أن نحسن زراعة أشجار تصلح أغصانها لأن تكون عكازاً لأيام لا ندري ماذا تخبئ لكم ..
نسيت أن أخبركم أن أمي _رحمها الله_ لم تقفل طول عمرها باب غرفتها بل تغلق الباب وتضع عصا خلفه وهي ترى أن الدنيا أمان والعصا من باب الاتكاء عليها.

السابق
التالي