تاريخنا يكتب بحريّة وأعين شجاعة الجبين لـ “الثورة”: الكاتب المدون كومبارس في المشهد الكوني

الثورة – أحمد صلال – باريس:

إبراهيم الجبين روائي وصحافي وشاعر سوري يقيم في ألمانيا، وعمل محرّراً في صحيفة “العرب” اللندنية سابقاً. صدر له في الرواية “عين الشرق”، و”يوميّات يهودي من دمشق”، وترجمت أعماله إلى اللغة الألمانيّة، وله في الشّعر “تنفّسْ هواءَها عنّي” و”البراري”. وفي الدراسات والأبحاث “الطريق إلى الجمهورية”، “لغة محمّد”.

كما كتب العديد من الأفلام الوثائقيّة، وأعدّ وقدّم البرامج التلفزيونية الحواريّة على شاشة الفضائية الرسمية السوريّة وعلى قنوات تلفزيونية عربية مختلفة، ومنها برامجه “علامة فارقة”، “الطريق إلى دمشق”، “شارع الثقافة” و”أهل الرأي”.

“الثورة” كان لها الحوار التالي مع الكاتب والإعلامي السوري إبراهيم الجبين.

– التحوّل من الشعر إلى الرواية، هل كان بمحض المصادفة أو نزوة إبداعيّة، لديك؟

أولاً أشكرك على دعوتك إلى هذا الحوار على صفحات صحيفة “الثورة” التي كتبتُ فيها قبل ثلاثين عاماً، مقالات عديدة ومراجعات كتب، ثم عملت محرراً ثقافياً ضمن فريقها فترة من الزمن بعد ذلك، ونشرت لي فيها تحقيقات ثقافية، من حسن الحظ، أنها أثارت الجدل وقتها، في ظل رقابة مشدّدة عشناها نحن السوريين جميعاً، واليوم نعود إلى صحيفة “الثورة” وهي حرّة بعد أن تخلّصتْ من الاستبداد، ولا يزال مبناها الشّاهق في كفرسوسة والطابق الأخير منه مكاناً حميماً في الذاكرة.

أمّا سؤالك عن الشّعر فقد أعادني إلى تلك الأيام بصراعاتها الفكريّة والأدبيّة والجماليّة، والتي عُرفت بها سوريا ومناخها الفكري الذي أثّر على الثقافة العربيّة واتجاهاتها على امتداد العالم العربي، يومها كان الشعر لا يزال هو بوابة المعرفة والحكمة والإبداع، ومنه دخلنا بتهيّب وقلوب مرتجفة إلى ساحة الخلق الأدبي.

بالنسبة إلي، لم تكن الحال انتقالاً عبثياً من الشعر إلى الرواية، إنما هو تحوّل كما ورد في سؤالك، والتحوّل لا يعني لي هجرة الشعر، إنما وجدت في (السرد)، أو الرواية إن شئت، قالب عظيم يستوعب الأجناس الأدبية ويمزجها ويقدّمها صيغ مبتكرة، تمكّنك من استخدام اللغة والخيال والواقع بحريّة أكبر.

– تسمّي اللعبة بين الكاتب والقارئ في روايتك “عين الشرق” بالتجول داخل خلية نحل مهندسة بناها الكاتب حول نفسه بأشكالها الثمانية الفراغيّة، وأدخل إليها قرّاءه؛ ما السّر وراء نص الأسئلة والإجابات اللامتناهية؟

هي كذلك، وهكذا أراها، تجوال واكتشاف داخل خليّة نحل هندسية التكوين يبنيها الكاتب حول نفسه في الفراغ. لم أنس يوماً تلك المقولة الحكيمة التي وضعتها في أحد كتبي “امتلك الماسة التي هي معرفة الفراغ”، والفراغ الذي نعيش فيه متعدد الأبعاد، ليس رياضياً كما يزعم العلماء ضمن حدود المعرفة البشرية الراهنة، بل فضاء مفتوح على الاحتمالات. لذلك تحضر الأسئلة عند الكاتب الحقيقي، أما الكاتب المدوّن فهو مجرد عابر سبيل وليس أكثر من كومبارس في المشهد الكوني. كلما طرحت أسئلتك ككاتب، شاعر، روائي، صانع أفلام، أو حتى في الحقل الإعلامي الذي لا يقلّ سحراً عن غيره، كلما وجدتَ المزيد من الأسئلة، وهذه مطاردة لا تنتهي بينك وبين الخلق والإبداع، فتصنع عوالم وراء عوالم وفي كل مرّة عليك أن تحقق الدهشة لك أولاً ثم لقارئك الذي لم يعد ذاك القارئ قليل الحيلة الذي يرضى بما يقدمه إليه المؤلفون، بل تطوّر كثيراً وتوسّعت موارده حتى صار كما أراه اليوم في كل نص أكتبه، شريكاً في الكتابة وصناعة الفكرة والسّياق، لذلك أترك له مساحات بيضاء يكملها بنفسه.

– الوعي بدور دمشق ليس كمادة للحنين والعواطف، بل كآلة تمدين فريدة كبرى، كيف هي دمشق العصيّة عن التغيير في روايتك”عين الشرق”؟

دمشق أكبر من كل تغيير، لأنها قادرة على صنع التغيير بفضل عراقتها وقوتها الحضاريّة، وهي كائن مفكّر تمكّن عبر آلاف السنين من ابتكار سرديّته بنفسه، وتكوين مدنيته الفريدة التي تشتغل على الآخر، وتبثّ فيه روح التمدّن والتعدّد الفكري، ولهذا هي مركز الإشعاع الحضاري في كل زمان ومكان، هي الفراغ الأعظم الذي تسبح فيه الكائنات القادمة إليه من كل مكان. وحين سمّاها الإمبراطور يوليانوس Oreintis Oculus باللاتينية، أي “عين الشرق” بالعربية، كان يدرك إعجازها وقدرتها على التأثير، وهو المعنى الذي استعرته كعنوان لروايتي التي تذكرها، وهي الجزء الثاني من الثلاثية الدمشقية التي استغرقت كتابتها 22 عاماً “يوميّات يهودي من دمشق – عين الشرق – الخميادو”.

من خلال إدماج تقنيات وأساليب جماليّة متعدّدة، والتي تأخذ اللغة الروائيّة نحو السرد والوصف والتأريخ والتوثيق، وهو ما يعيدنا في لحظات كثيرة إلى لغة التلفزيون، ولاسيما البرامج الوثائقية والحوارية الجادة؛ وأنت الذي كتب العديد من الأفلام الوثائقية، وأعدّ وقدّم البرامج التلفزيونية الحوارية على شاشة الفضائية الرسمية السورية وعلى قنوات تلفزيونية عربية مختلفة، هل نستطيع القول إن رواية”الخميادو” بالخصوص وشغلك الروائي بالعموم ينتمي لما يسمى”رواية صحفية”؟

سؤالك هذا يتلصص على عالم التقنيّة، وعلى المختبر الخاص بالكاتب، كما أقول باستمرار، وإجابتي عنه ستكون مختصرة، إذ حين نحترم الصحافة كمهنة وشغف، يصبح تعبير “رواية صحفيّة” تعبيراً مقدّراً ويحمل قيمة خاصة، أما حين نحتقر الصحافة ونتصوّر أنها مجرد قص ولصق وخدمة لكل سلطة، حينها يكون من المهين أن نصف أسلوباً روائيّاً بأنه صحفي. في “الخميادو” حرصت على التوثيق، وتقديم ما يمكن أن يدفع القرّاء إلى البحث بأنفسهم، سواء في عالم السياسة، أو ما تحت مدينة دمشق، حيث المدرّج الروماني الذي وضعت خرائطه بين صفحات الرواية، وهو على كل حال ليس أمراً مألوفاً في الرواية العربية، ولكن في الأدب العالمي يوجد ما يسمى “الرواية التوثيقية” وقد مُنحت إحدى كاتبات هذا النمط جائزة نوبل للآداب عام 2015 أعني الكاتبة والصحفية البيلاروسية سفيتلانا ألكسييفيتش.

– كيف تمزج بين الواقع والمتخيل في نتاجك كله، ولنكون أكثر دقة كيف ترتكب الكتابة التاريخية؟

أؤمن أن التاريخ لا يُكتب مرة واحدة، وليس صحيحاً أن التاريخ يكتبه المنتصرون وحدهم، بل كل الناس، وكما كتب البديري الحلاق يومياته ومنها عرفنا مساحة معتمة من تاريخ دمشق، يمكن لأي منا أن يؤرخ بطريقته، لكن بالطبع بأدوات متقدمة، وبموضوعية، سألني ذات مرة المبعوث الدولي استيفان دي مستورا حين أهديته رواياتي في جنيف وأصرّ على أن يأتي بنفسه ويتسلم الكتب “هل هذا خيال؟. قلت “لا هو حقيقة”.

وكان غرضي من تقديمه له وضع وثائق عن وجود مستشارين للأسد الأب والابن في بنية النظام المخلوع، وكنت أول من كتب قصصهم وبالتفاصيل الدقيقة، وفي مقدمتهم ألويس برونر، وقتها بثّت وكالات الأنباء الخبر والفيديو القصير الذي تم تصويره، والحوار الذي دار بيننا، وكان هذا كافياً ليكون رسالة للعالم عن طبيعة نظام الأسد البائد. فتاريخنا يجب أن يكتب بحريّة وبأعين شجاعة ترى في العمق، كما أن هناك تأريخاً آخر يجب أن يدوّن، هو حياتك وتجاربك التي عليها أن تكون تستحق ذلك وجديرة بأن تروى للناس أولاً، وإلا خرجت استعراضات لا قيمة لها.

– ماذا تقول للنخب السورية التي اصطفت إلى جانب قتلة الشعب السوري؟!

ليس فقط لهؤلاء الذين اصطفوا إلى جانب الأسد وهو يقتل شعبنا، بل للذين غطوا عورة المجرم وسخروا من مجازره ومن ضربه المدنيين بالسلاح الكيماوي، والذين صمتوا على تهجيرنا واعتقال إخوتنا وأخواتنا في السجون واغتصاب حرائرنا وتعذيب شبابنا، لهؤلاء جميعاً أقول: لن ننساكم وسنحاسبكم قريباً وبالقانون ووفقاً لمبادئ العدالة الانتقاليّة، فكلماتكم كانت رصاصاً وسلاحاً مدمّراً دامياً، وتشويهكم لنا ولأهل الثورة لن يغطيه نفاقكم اليوم وادعاؤكم أنكم صرتم مع الثورة ولكن بعد هزيمة سيدكم.

– في رحلة اللجوء أو الشريد الذي تقطّعت به السبل، تنقلت للعيش بعد الثورة بعدة عواصم ومدن عربية وغربية حتى استقررت حديثاً في ألمانيا، حدثني عن وجع العيش بعيداً عن دمشق؟

لا أعرف إن كنت ستصدّق ما سأقوله، لكني لم أشعر للحظة واحدة أني خرجتُ من دمشق، حتى إني أستيقظ كل صباح وأعيش ربع الساعة الأول من يومي وعقلي يعتقد أنه في دمشق، أسمع أصوات البشر والسيارات العابرة والملاعق الصغيرة التي تحرّك القهوة وتخلطها بمياه الفيجة، حتى الهواء والرائحة، وذات يوم اخترت لأحد كتبي الشعرية عنواناً استعرته من كلمات عبد الرحمن بن معاوية الداخل حين أرسل رسولاً من قرطبة إلى دمشق ليحضر له أهله، فقال له “إذا جئتَ الشامَ…تنفّس هواءها عنّي”. صدر كتابي الشعري الرابع “تتنفّس هواءها عنّي” في العام 2010، أي قبل الثورة وقبل رحلة اللجوء والانفصال المشيمي القهري عن دمشق وسوريا. غير أن الوجع الحقيقي شعرنا في دمشق، كان في ذلك الاغتراب الذي نهش أرواحنا حين كانت دمشق محتلّة، أما اليوم فقد أصبحت حرّة وهذا خير شفاء لأوجاعها وأوجاعنا.

آخر الأخبار
الميزان التجاري يحقق فائضا لمصلحة الأردن..وغرفة تجارة دمشق تبرر!!    معرض دمشق ..في كلّ وجه حكاية   حاكم "المركزي" : القرارات الأميركية تفتح الطريق أمام اندماج سوريا المالي عالمياً  مشاركة تنبض بإبداع سيدات جمعية "حماة للخدمات الاجتماعية" في معرض دمشق الدولي المبعوث الأميركي: أثق بالرئيس الشرع ورفع العقوبات السبيل الوحيد للاستقرار في سوريا  بعد عقدين من العقوبات.. واشنطن تنهي قيود التصدير المفروضة على سوريا   بشار العمر.. متطوع نذر حياته للعمل الإنساني ورحل ضحية لغم في ريف حماة  مشرّعون أميركيون يحثّون إسرائيل على وقف هجماتها ضد سوريا  مشاركة متميزة في معرض دمشق الدولي..وزير السياحية لـ"الثورة": دعم الحرف التقليدية للمنافسة في الأسواق... من معرض دمشق الدولي..  السفير الإندونيسي لـ"الثورة": شراكتنا مع سوريا ثابتة وتاريخية  برنية من معرض دمشق: المالية تتحول إلى وزارة بناء وثقة  سلة أوروبا للرجال.. جورجيا تهزم إسبانيا (حاملة اللقب)  قرعة دوري أبطال أوروبا.. صدامات كبرى وحكايات عاطفية فلاشينغ ميدوز (2025).. شفيونتيك وسينر يسيران بثبات  ركلة جزاء ضائعة من السومة تحرم الحزم من الفوز "لانا" يعلن قائمة المنتخب لمباراتي الإمارات والكويت بطولة النصر والتحرير السلوية.. اللقب بين بردى والثورة مشاركون في معرض دمشق الدولي لـ"الثورة": عقود تصدير وجبهات عمل من اللحظة الأولى  معرض دمشق الدولي .. عندما تحوك سوريا ثوب السياسة بخيوط الاقتصاد  توطيد التعاون التربوي مع هيئة الاستثمار السعودي لتطوير التعليم الافتراضي