الثورة – إيمان زرزور
مثّل المتطوع السوري بشار العمر، المعروف بلقب “بشار ألغام”، صورة حية لآلاف المتطوعين الذين نذروا أنفسهم للعمل الإنساني في أصعب الظروف، قبل أن يختتم مسيرته أمس الخميس بانفجار لغم أرضي خلال عمله على تفكيك مخلفات الحرب في محيط بلدة كفرنبودة بريف حماة الشمالي.
كرّس العمر حياته لخدمة المدنيين، متخلياً عن عمله كممرض في القطاع الطبي بعد سقوط النظام البائد، لينتقل إلى مهمة أشد خطورة: إزالة الألغام ومخلفات الحرب، كان يستجيب يومياً لنداءات الأهالي الذين كانوا يبلغونه عن وجود ألغام في قراهم وحقولهم، ويتوجه إليها رغم المخاطر الكبيرة، بهدف وحيد هو تأمين عودة آمنة للنازحين إلى بيوتهم بعد سنوات التهجير والمعاناة.
وثّق ناشطون عبر مقطع مصوّر اللحظات الأخيرة في حياة بشار وهو يحاول إزالة لغم قبل أن ينفجر، لينهي رحلته التطوعية الطويلة بوفاة مأساوية، عكست حقيقة الخطر المستمر الذي يهدد حياة السوريين حتى بعد توقف المعارك.
رغم ضعف الإمكانيات وغياب المعدات الأساسية من أحذية واقية وأجهزة كشف المعادن ووسائل الحماية، واصل العمر عمله بإصرار نادر، ليغدو رمزاً للتضحية في مواجهة أخطر ما خلفته الحرب، وقد نعاه سوريون على نطاق واسع، معتبرين أن رحيله لا يخص عائلته وحدها، بل يمثل خسارة لمجتمع كامل كان يجد فيه مثالاً للشجاعة والإيثار.
لا تزال الألغام ومخلفات الحرب تشكل تهديداً مميتاً للسوريين، ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قُتل منذ بداية العام وحتى 30 حزيران أكثر من 390 مدنياً، بينهم أكثر من 100 طفل، فيما أصيب أكثر من 500 آخرين نتيجة هذه المخلفات، وأكدت تقارير دولية أن معدلات الضحايا في تزايد مستمر، مما يجعل من قصة بشار العمر شاهداً على مأساة إنسانية لم تنتهِ بانتهاء الحرب.
وبينما رحل “بشار ألغام” تاركاً خلفه إرثاً إنسانياً خالداً، يبقى مثاله دليلاً على أن السوريين، رغم جراحهم العميقة، قادرون على العطاء والتضحية، لكنهم في المقابل بحاجة إلى دعم حقيقي يحميهم من الموت الكامن تحت التراب.