الثورة- منذر عيد:
لم تعد غارات العدو الإسرائيلي على الجنوب السوري مجرد خروقات عابرة أو عمليات محدودة، بل تحوّلت إلى عدوان ممنهج يستهدف سوريا الدولة والجيش والشعب على حد سواء، فإسرائيل التي اعتادت ارتكاب جرائمها تحت غطاء الصمت الدولي، تكثّف اليوم من اعتداءاتها مدفوعة بوهم التفوق العسكري وحسابات سياسية ضيقة، تسعى عبرها إلى تعطيل أي فرصة لعودة دمشق إلى دورها العربي والإقليمي.
منذ الثامن من كانون الأول الماضي وسقوط النظام السابق، كشفت إسرائيل عن وجهها الأكثر وحشية في سوريا، إذ لم تعد تقتصر غاراتها على ذرائع «منع التموضع» أو «ضرب قوافل السلاح»، بل تحولت إلى سياسة عدوان مباشر ضد مواقع الجيش السوري، في محاولة واضحة لإضعاف قدراته الدفاعية واستنزافه، ليعكس ذلك عقلية انتقامية ترى في سوريا ساحة مفتوحة لتصفية حساباتها.
ويزداد السياق خطورة مع تزامن التصعيد الإسرائيلي مع حراك عربي ودولي لإعادة دمج سوريا في محيطها، وهنا تكمن حقيقة المخطط الإسرائيلي، لإبقاء سوريا معزولة، منكفئة على أزماتها، بلا أوراق قوة سياسية، ليكون كل عدوان عبارة عن رسالة تهديد بأن تل أبيب لن تسمح بعودة دمشق كلاعب إقليمي قد يخلّ بتوازنات الهيمنة التي تسعى لفرضها.
لم يكتفِ الاحتلال بالعدوان، بل يحاول الاستثمار في الداخل السوري عبر إذكاء التوترات في الجنوب، خصوصاً في محافظة السويداء، سعياً لتفكيك النسيج الوطني السوري وفتح ثغرات يمكن النفاذ منها في أي مفاوضات مستقبلية، وهذا الأمر سياسة استعمارية توسعية بامتياز، مبنية على تقسيم المجتمعات لإضعاف الدول والسيطرة عليها.
في المحصلة، الجنوب السوري اليوم ليس مجرد جغرافيا مستهدفة، بل لوحة رسائل متشابكة ترسلها إسرائيل إلى دمشق والى إلى دول الإقليم، وحتى إلى العواصم الكبرى، بل إن استمرار هذا النهج لا يشي فقط بتأزيم الوضع الأمني، بل يؤكد أن إسرائيل تسعى إلى تحويل الساحة السورية إلى «منطقة ضغط مستدامة» تعيق أي محاولة لإعادة إنتاج دور سياسي لسوريا في الشرق الأوسط.