الثورة – ثناء أبو دقن:
كتبت كثيراً عن قصص الناس، وعشت مع همومهم ومشكلاتهم، وسلطت الضوء على معاناتهم وأوجاعهم، ولم يخطر يوماً ببالي أن تكون قصتي الشخصية هي ما سأرويها، هي بالحقيقة ليست قصة خاصة تتعلق بعائلتي.. إنما هي قضية كل بيت سوري ومعاناة كل عائلة على امتداد المساحة السورية.
ولعل ملف المفقودين والمغيبين هو أكثر الملفات السورية جدلاً وإثارة ومصدراً للألم والمعاناة لا ينتهي، ففي كل بيت وحارة وشارع وبكل ضيعة قصة وحكاية تروي فصولها مأساة أحد المفقودين.
إنه الجرح الذي لا يندمل والمأساة التي تأبى أن تُنتسى، إنه التأرجح بالزمان بين الانتظار واليأس بين الركض المحموم عن أي معلومة أو مدوّنة تفيد في معرفة مصيرهم، أو حتى مكان دفنهم.. إنه التمزق اليومي بالذكريات التي حفرت أظافرها بالقلب والروح وتركتها تنزف بصمت قاتل.
قلت إنني اليوم سأروي قصتي والتي تتشابه وتتشابك مع آلاف القصص.. وأكاد أجزم أنه لا يوجد بيت على الأرض السورية لم يعانِ من موت أو اختفاء عزيز خلال الحرب المأساوية التي أحرقت الأخضر واليابس وجرفت معها كل أحلامنا وأمننا وسعادتنا.. كل العائلات ذاقت ويل أو موت أو اختفاء فرد من عائلتها خلال حكم الأسد المجرم.
لاحقته من أجل رقم على هاتف
كان مسلم أبو ذقن شاباً جامعياً مفعماً بالطموح والحيوية.. شعلة نشاط تدفعه أحلامه للحياة ولبناء مستقبل جميل.. إلا أن للقدر رأياً آخر، ففي مساء يوم كئيب من شتاء 2013 رن هاتفه، وكان المتحدث على الطرف الآخر شخصاً يستدعيه إلى “الفرع 215” مهدداً إياه بأقذر الكلمات.. في حال لم يحضر، وعندما سأل الشاب مسلم المتحدث عن سبب استدعائه، أخبره أن رقم جواله موجود على هاتف أحد المعتقلين، وعندما ردّ عليه وما ذنبي أنا.. أخبره المتحدث أنه مهدور الدم وانتهى وأغلق في وجهه الهاتف.
عندها خاف مسلم وبالتأكيد لم يذهب، لأن “الفرع 215” مسلخ بشري، وكيان للتصفية البشرية والإنسانية بأقسى وأبشع صورها، بما لا يمكن للعقل البشري أن يتحملها، وقد فاق في دمويته وإجرامه كل السجون والمعتقلات في العالم.
ومن هنا بدأت المضايقات والملاحقات الأمنية تطارده في كل مكان حتى اضطر أن يودع جامعته ورفاقه وعمله وزملاءه في عمله، ولم يُترك له خيار، من شاب مسالم يدرس ويعمل لبناء مستقبله سوى الانضمام إلى الثورة والالتحاق بصفوف الثوار، وعُرف بين رفاقه بكرهه الشديد لسفك الدماء، فلم يقتل ولم يسفك دماً وهو الهارب من سفك دمه، فعاش أياماً طويلة متنقلاً من مكان لآخر لا يعرف الاستقرار حتى استشهد في غارة لنظام الأسد في منطقة خان الشيح.
أربع فوارغ رصاص أدت لتصفيته
أما محمود العمري، المعروف بأبي القاسم، الرجل الخلوق فتم اعتقاله أثناء تمشيط بعض العناصر الأمنية لمنازل كفرسوسة بعد اشتباكات دامية، إذ تصادف وجود عدد بسيط من فوارغ الرصاص على سطح بيته، فتم سحله على الأرض وداسوا على رأسه بأحذيتهم واتهموه بالإرهاب رغم شهادة الجميع بحسن أخلاقه وأنه رجل (بحاله) ورغم محاولة الجميع إقناع العناصر أن موقع البيت على الشارع العام الذي شهد اشتباكات في الليلة التي سبقت الاعتقال وطبيعي وجود الفوارغ في وضع كهذا، إلا أنهم قيدوا يديه وغطو رأسه بثيابه، وساقوه للفرع “215” الغني عن التعريف، إذ تمت تصفيته بعد وقت قصير، من دون محاكمة ومن دون سماع أي دفاع.. استشهد محمود العمري مخلفاً وراءه خمسة أولاد قصّر.
هذه القصص وغيرها الكثير من الحكايات غير المسلية، ستروى عبر الزمان ومع تعاقب الأجيال وإن اختلفت في الأسماء وتشابهت بالمصير.. سيبقى ملف المفقودين جرحاً ساخناً لن يبرد.. ونزيفاً للحياة والروح لن يتوقف، وصراخاً يجلجل في أعماق كل واحد فينا، ولا مجيب له إلا الصدى.