السوريون يفتحون دفاتر الألم.. والأمكنة المعزولة تمزق الصمت

الثورة – غصون سليمان:

من وجع الأيام يفتح السوريون دفاتر التدوين لذكريات مؤلمة، لم ولن تغلق لا في صفحات الوثائق ولا في العقول، لتروي الجدران والأمكنة المعزولة حكايتها بصمت مطبق على سراديب الاختفاء القسري، بعد ضجيج وأنين وأنفاس تتلاشى.الكلمات تتعثر وتتوه، وهي تبحث عن أثر مادي ومعنوي، مخبأة في خزانة هنا ومحفظة رميت هناك، في زاوية سرير، وكرسي اعتاد عليه الجلوس، عن أثر قطعة قماش، وورقة عابرة كتب عليها رمز أو عنوان، وربما حكمة للتذكير بأمر ما، هي الأيام والليالي تتحدث عن أبشع الممارسات على مدى سنوات طوال من عمر الأزمة.

كلنا من دون استثناء حضر المأساة السورية، وجميعنا كان شاهداً على ممارسات ممن فتكو بحياة الناس واقتنصوا أمانها غدراً، فكثيرون ممن نعرفهم كانوا حاضرين، ولأسباب مبهمة غادروا مساحة الضوء في رحلة اختفاء قسرية لا يعلمها إلا الله، ومن قام بأفعال الشرور..تجربة مرة لآلاف الضحايا، وهموم مثقلة في صدور الزوجات والأمهات والآباء والأبناء تغرق الوسائد دموعاً في عتمة الليل ووضح النهار.. دعوات وصلوات وصبر جميل والله المستعان..في ذكرى اليوم الدولي لضحايا الاختفاء الذي يصادف في ٣٠ آب من كل عام، ربما يجف مداد الحبر، ولا تنتهي زفرات الحروف المغشية على صفات القهر وعذاب النفوس وحرمان رؤية الأحبة.

وفي هذا السياق يذكر الشاب مجد أحمد، كيف أن أخاه ميار طالب الجامعة في السنة الثالثة قسم الكيمياء قام بزيارة أحد الأمكنة خارج مدينة دمشق بصحبة زميل له للترويح عن النفس في عام ٢٠١٦، ومع مرور الساعات الطويلة، وتأخر الوقت المحدد للعودة إلى منزله، إذ كان آخر اتصال معه مسجلاً في تمام الساعة الرابعة عصراً يوم الخميس من شهر نيسان عام ٢٠١٦.

ومع تكرار الاتصال والرسائل يأتي الجواب من المجيب الآلي.. “عذرا الرقم المطلوب مغلق أو خارج نطاق التغطية..؟!، هكذا دواليك مرت الساعات والليالي والأيام من دون أثر يذكر لا لأخي ولا زميله. ويضيف مجد: بعد مرور أسبوع على الحادثة، وعن طريق الصدفة تعرفت على شاب برفقة أحد الأصدقاء، ومن خلال الحديث علمت أن لديه ابن عم فقد بنفس التاريخ الذي فقد فيه أخي، ولم يعد إلى بيته منذ تلك الفترة، وكان متوجهاً مع زميل له وهو أخي على ما يبدو إلى نفس المكان، قلت في نفسي لعل وعسى أن نمسك بعضاً من رأس الخيط لنعرف المصير.

وهكذا من خلال البحث والتحري قذفنا القدر إلى بعض المقربين من الأجهزة الأمنية للنظام المخلوع.. ليخبرونا أن هناك سيارة كيو ريو اعترضت طريقهم واقتادتهم إلى جهة مجهولة، هنا قلت بصراحة بيني وبين نفسي، من الصعب أن أصدق هذه الرواية لأن إحساسي يقول عكس ذلك، والدليل أنه بعد أقل من شهر جاءني اتصال من أحد الأشخاص يقول فيه: إن أردت أن تعرف مصير أخيك عليكم أن تدفعوا خمسين مليوناً، قلت له: من أين لنا أن ندفع، ونحن لا نملك إلا الجزء اليسير من هذا الرقم، وهو بالكاد لا يسد الرمق. لكني تداركت الأمر وقلت له، أسمعني صوته، وأرني وجهه، إن كان حقاً موجوداً، وما إن أغلق المتصل الهاتف بسرعة، أخذت أفكاري تسرح ذات اليمين والشمال، وأي مصير يواجهه أخي.؟ وهكذا إلى غاية اللحظة لم نعلم أي شيء عنه، رغم كل المحاولات والبحث بين الأحياء والأموات وجداول الأرقام والأسماء، فما زال غائباً وصاحب الرقم المتصل خارج الخدمة، فيما والدتي تآكلت نفسها وروحها بالهم والحزن والمآسي، لتغادر الحياة قبل ثلاثة أشهر من هذا العام.

 جريمة ضد الإنسانية

وبناء على ما تقدم يشير المحامي هيثم هاشم إلى أن الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري المعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 47/133 بتاريخ 23/11/2010 قضت في المادة الثانية، أن “الاختفاء القسري” الاعتقال، أو الاحتجاز، أو الاختطاف، أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية، يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته، أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون.. هذا يعني أن جريمة الاختفاء القسري ووفقاً للاتفاقية الدولية تنهض عند توافر ثلاثة أركان، وهي:الحرمان من الحرية ضد إرادة الشخص المعني.. ضلوع مسؤولين حكوميين، على الأقل بالقبول الضمني، رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده. وبين هاشم أن جريمة الاختفاء القسري منذ القدم، وحتى التاريخ المعاصر أكثر ما تطال المواطنين الذين يتم تصنيفهم على أنهم غير راضين عن ممارسات وسياسة السلطات، ويستوي في ذلك سواء أكان هؤلاء المواطنون أفراداً أم مجموعات اجتماعية أم سياسية أم أحزاباً.

وأكد أن ممارسة الاختفاء القسري العامة أو المنهجية تشكل جريمة ضدّ الإنسانية، كما تم تعريفها في القانون الدولي المطبق، وتستتبع العواقب المنصوص عليها في ذلك القانون وفقاً للمادة الخامسة من الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص، منوهاً بأن هذه الاتفاقية كانت قد فرضت على الدول الأعضاء أن تتخذ كل دولة طرف التدابير اللازمة لكي يشكل الاختفاء القسري جريمة في قانونها الجنائي، وأن تفرض كل دولة طرف عقوبات ملائمة على جريمة الاختفاء القسري تأخذ في الاعتبار شدة جسامة هذه الجريمة.

وأشار هاشم إلى أنه بتاريخ 2/4/2013 صدر في سوريا المرسوم التشريعي رقم 20 لعام 2013 الخاص بجريمة خطف الأشخاص والعقوبات المترتبة على ذلك، إذ قضى أن “يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة كل من خطف شخصاً، حارماً إياه من حريته بقصد تحقيق مأرب سياسي، أو مادي، أو بقصد الثأر، أو الانتقام، أو لأسباب طائفية، أو بقصد طلب الفدية”.

وتكون العقوبة الإعدام إذا نجم عن جريمة الخطف وفاة أحد الأشخاص أو إصابة المجني عليه بعاهة دائمة أو قام الفاعل بالاعتداء جنسياً على المجني عليه.

ويستفيد من العذر كل من لديه مخطوف ويبادر بتحريره بشكل آمن أو تسليمه إلى أي جهة مختصة خلال 15 يوماً من تاريخ نفاذ هذا المرسوم التشريعي.

وبالنسبة لقانون العقوبات السوري العام رقم 148 لعام 1949، وفي الباب السابع منه في المواد 500 إلى 503 قضى بعقوبات تتراوح بين الحبس والأشغال الشاقة على مرتكبي خطف الأشخاص، وفي الوقت عينه منح الأسباب المخففة وفقاً للمادة 241 منه لكل من تراجع عن الفعل، وأعاد المخطوف خلال مدة حددها القانون.

وقال هاشم: إن جريمة الاختفاء القسري تخلق عدم الاستقرار في المجتمعات التي تعاني آثارها، كما تؤدي إلى خلق حالة مجتمعية من الرعب والقلق غالباً ما تكون غير ظاهرة، ما يؤدي إلى ضعف وتخلف وانهيار هذه المجتمعات سواء طال الزمن أم قصر، ومهما حاولت النظم الديكتاتورية والاستبدادية حماية نفسها، وفرضت أساليبها، وأصدرت من قوانين توهماً منها أن قوانينها قد تضمن حمايتها وبقاءها، لكن نهايتها الزوال على أيدي الشعب.

آخر الأخبار
انطلاقة صندوق التنمية السوري.. محطة وطنية لرسم مستقبل جديد  الجيش يتصدى لمحاولة تسلل مجموعة من “قسد” إلى نقاط بـ"تل ماعز" ويوقع أفرادها بكمين محكم تعزيز التعاون الزراعي مع أبخازيا حين تُصبح الوطنية تهمة.. البلعوس مثالاً المعرض مساحة اختبار.. والزوار شركاء في صناعة النجاح الطلاق النفسي في البيوت السورية.. أزمة خفية بصوت عالٍ تجهيزات متطورة وكادر متخصص..افتتاح قسم الحروق في مستشفى الرازي بحلب الاختفاء القسري في سوريا.. جرحٌ مفتوح يهدد أي سلام مستقبلي لا دورة تكميلية هذا العام..وزارة التربية تحسم الجدل.. والطلاب بين القبول والاعتراض الصناعة السورية تتحدى الصعوبات.. والمعرض يفتح آفاقاً للتصدير ازدحام خانق إلى أبواب معرض دمشق الدولي.. التدفق الجماهيري يصطدم بعقدة التنظيم بمبادرة خيرية.. افتتاح مركز الفيض الصحي في جبلة أردوغان: نعزز تعاوننا مع سوريا بشتى المجالات تحيز (بي بي سي) تجاه غزة ينتهك واجبها الصحفي "سوريا تستقبل العالم".. إشارة رمزية للانفتاح والاستقرار من الانقطاع إلى الانطلاق.. صناعاتنا الغذائية في معرض دمشق الدولي من الأردن.. مشاركات تتميز بشمولها واختصاصات نوعية في "دمشق الدولي" اليابان تقدّم 5.5 ملايين دولار للأمم المتحدة لمساعدة سوريا توثيق جديد لجرائم النظام المخلوع.. العثور على رفات أربعة أشخاص في حمص إعادة افتتاح كنيسة القديسة آنا بعد 14 عاماً..بين البعد الديني والدلالات السياسية