الثورة – تحقيق ثورة زينية:
متزوجان منذ 15 عاماً، في الصور يبدوان كزوجين سعيدين، لكن خلف عدسة الهاتف، يعيشان في منزل واحد، يتشاركان الفطور ذاته، لكن كل منهما يتناول الحياة وحده فقط برودة تملأ المسافة بين نظراتهما.
تروي المحامية ريما قصتها: نعيش داخل بيت يملؤه الصمت، نجلس على نفس الأريكة، نتشارك المكان ولكن لا نتشارك الحياة نفسها لا طلاق رسمي، ولا كلمات وداع، فقط جدران تشهد على انفصال عميق لا يرى ولا يسمع، حيث تنفصل القلوب قبل الأجساد. وتصف ما تمر به أنه الانفصال الذي لا تراه العيون، لكنه ينهش القلب كل يوم، هو انسحاب صامت من العلاقة الزوجية، إذ يبقى الشكل وتختفي الروح، ليصبح حالة من التآكل العاطفي التدريجي على حد تعبيرها، تجعل من الحياة الزوجية إطاراً فارغاً لا يملؤه سوى الواجبات اليومية والصمت المزمن.
صمت يصرخ داخل البيوت
تتحدث الطبيبة إيمان عن تجربتها المستمرة مع هذه المعاناة: نعيش تحت سقف واحد لكنني أشعر أنني أعيش مع شخص غريب، لا حوار ولا اهتمام وكأن وجودنا معاً لم يعد سوى روتين مؤلم، مشيرة إلى أن الطلاق النفسي أسوأ من الطلاق القانوني، لأنه لا يترك مجالاً للحديث أو المحاولة، فقط صمت قاتل يقتل ما تبقى من مشاعر.
ففي الوقت الذي تتابع فيه مؤشرات الطلاق ارتفاعها هناك طلاق من نوع آخر لا تسجله الدوائر الرسمية ولا تناقشه المجالس العائلية.
نعم.. إنه الطلاق النفسي كما يصفه خبراء العلاقات الزوجية، ففي عالم تتسارع فيه الأحداث ويتغير فيه نمط الحياة، لا يقتصر الانفصال الزوجي على الطلاق القانوني فقط بل هناك نوع آخر أقل ظهوراً وأكثر ألماً، وهو الطلاق النفسي، هذه الحالة التي يعيش فيها الزوجان تحت سقف واحد، لكنهما في عالمين منفصلين، إذ يغيب الحوار ويحل الصمت الثقيل، وتذبل المشاعر تدريجياً، ويتوقف الاتصال العاطفي ويغيب التفاهم ليحل محلهما التجاهل والبرود، وهو ليس طلاقاً رسمياً، بل هو جفاء نفسي يهدد العلاقة بالانهيار.
تقول اختصاصية علم النفس الاجتماعي الدكتورة ديما الدالاتي لصحيفة الثورة: الطلاق النفسي موت تدريجي للعلاقة، إذ يتحول البيت من ملاذ آمن إلى سجن عاطفي لا يجد فيه الطرفان الدعم أو الحنان، معددة أسباب الطلاق النفسي، بتراكم الخلافات اليومية، وعدم حلّ الخلافات الصغيرة الذي يؤدي إلى استنزاف العلاقة تدريجياً، إضافة لضغوط الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتي تؤثر على الحالة النفسية وتجعل التواصل صعباً، مع غياب الحوار والتفاهم وما يتبعه من سوء الفهم وتراكم الاستياء، يضاف الى ذلك الضغوط النفسية والصحية مثل الاكتئاب والقلق التي تؤثر على التفاعل بين الزوجين.
الخبير الأسري رائد الحصري بين أن ما يشهده المجتمع السوري حالياً من ارتفاع كبير لمثل هذه الحالات قد يعود للظروف الصعبة التي مر بها الناس خلال السنوات الماضية، وضيق الحال الاقتصادية الذي راكم الضغوط النفسية والاجتماعية للأسر، مؤكداً أن الطلاق غالباً ما يبدأ نفسياً بخطوات صغيرة لا يلاحظها الزوجان، مثل تجاهل مشاعر بعضهما بعضاً، وتراجع الاهتمام وهذه الممارسات تؤدي إلى فجوة عميقة يصعب سدها لاحقاً.
المفتاح هو الحوار والوعي
يؤكد المستشار النفسي الدكتور سامر النعسان أن الآثار النفسية والاجتماعية قد تكون خطيرة في بعض الأحيان، فقد يتسبب الطلاق النفسي في تدهور الصحة النفسية كالقلق والاكتئاب، وارتفاع التأثير السلبي على الأطفال في حال وجودهم الذين يشعرون بالبرود العائلي ما يؤثر على نموهم العاطفي والاجتماعي، يضاف إليها تراجع جودة الحياة الزوجية واحتمالية الوصول إلى الطلاق الرسمي.
واعتبر المستشار النفسي أن المفتاح هو الحوار والوعي بالمشكلة، من خلال اللجوء إلى الاستشارة الأسرية ما يعزز فرص التفاهم ويعيد بناء الجسور المهدمة، مضيفاً: كما يجب على الزوجين أن يمنحا العلاقة وقتاً وجهداً، وأن يعملا معاً على تقوية الروابط العاطفية، والابتعاد عن العادات السلبية مثل التجاهل أو التقليل من أهمية الطرف الآخر.
الطلاق النفسي.. هو رحلة صامتة ومؤلمة يعيشها الكثيرون من دون أن يدركوا خطورتها إلا بعد فوات الأوان، وهو دعوة ملحة للانتباه إلى ما يحدث خلف الأبواب المغلقة، والاستثمار في العلاقات الزوجية عبر الحوار والتفاهم المستمرين، قبل أن يتحول الصمت إلى فراق نهائي.