الثورة -ترجمة ختام أحمد:
كان من المستحيل تجاهل تصاعد السخط والغضب إزاء تغطية بي بي سي لأحداث غزة، ولاسيما أن هذا الموضوع ظلّ يتصدر عناوين الأخبار باستمرار.
فمن الرسائل المفتوحة من موظفي بي بي سي، إلى التحقيقات الصحفية، والعديد من المقالات والبيانات المنشورة في وسائل الإعلام الدولية، من الواضح أن هذه القضية المستمرة لن تختفي.
لقد مرت أكثر من عشرين شهراً على الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في غزة، ولا تزال مسألة تحيز وسائل الإعلام تتصدر الضمير العام، وخاصة بين المتعاطفين مع محنة الفلسطينيين.
ونظراً لخطورة الوضع على الأرض، إلى جانب اتهامات قمع هيئة الإذاعة البريطانية لهذه الحقيقة، فقد وجد مجلس التفاهم العربي البريطاني (كابو) أنه من الضروري إجراء بحث عميق في تغطية هيئة الإذاعة البريطانية لغزة إلى جانب مسؤوليتها عن الالتزام بمبادئها التوجيهية بشأن الدقة والنزاهة.
على مدار الأشهر القليلة الماضية، راقب كابو إنتاج بي بي سي، ورصد مدى التزامها بالمعايير التحريرية الخاصة بها فيما يتعلق بالدقة والحياد.
واعتمد هذا التحليل على البيانات التي نشرها مركز مراقبة الإعلام حول تحيز بي بي سي فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
ومن الواضح أن هيئة الإذاعة البريطانية قد فشلت في أداء واجباتها في تغطيتها، ونادراً ما قدمت صورة كاملة للسياق، وبالتالي فشلت في الوفاء بالتزامها بتحقيق الدقة الواجبة في إنتاجها فيما يتعلق بغزة.
من أبرز المشكلات التي واجهتها تغطية بي بي سي عدم تقديم سياق تاريخي أساسي، أو بالأحرى غيابه. ونادراً ما يُذكر الحصار المفروض على غزة منذ عام ٢٠٠٧، وحقيقة سيطرة الجيش الإسرائيلي، تحت إشراف مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، على جميع حركة الدخول والخروج من غزة.
كما يُغيب مراراً ذكر حقيقة أن هذه ليست الحرب الأولى على غزة، وأن العدوان والقصف الإسرائيليين وقعا أيضاً في أعوام ٢٠٠٩، ٢٠١٢، ٢٠١٤، و٢٠٢١.
لم يقتصر فشل بي بي سي في تطبيق السياق التاريخي على تغطيتها الإعلامية، بل امتد إلى السياق القانوني أيضاً. ويبدو أن هذا التردد في تقديم السياق القانوني يُمثل توجهاً مستمراً لدى هيئة الإذاعة البريطانية (BBC). ففي تقاريرها عن المجاعة في غزة، لم تُستخدم أوامر الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ولا التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية كسياقٍ لها بانتظام.
وهذا إغفالٌ كبير، وخاصةً أن المحكمة الجنائية الدولية استشهدت مباشرةً باستخدام المجاعة سلاح حرب في تهمها الموجهة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق غالانت. ولا ننسى أن محكمة العدل الدولية أمرت إسرائيل صراحةً بالسماح بدخول المساعدات إلى غزة كجزء من واجبها القانوني بمنع الإبادة الجماعية التي قد تترتب على ذلك في غزة.
وفي أعقاب هذه الأحداث، شعر بعض موظفي هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي ) بالفزع وكتبوا رسالة مجهولة المصدر زعموا فيها أن التقرير لم يغط بشكل كاف إجراءات محكمة العدل الدولية، وهو ما قد يشكل “خدمة عامة سيئة أو في أسوأ الأحوال المساعدة والتحريض على الإبادة الجماعية من خلال قمع القصة”.
من الموضوعات المتكررة في تغطية بي بي سي لأحداث غزة، الطريقة التي تُؤخذ بها ادعاءات إسرائيل غير المُتحقق منها على محمل الجد. فمزاعم الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب التي يرويها الضيوف غالباً ما تُقابل برفضٍ مُتكررٍ من قِبل “إسرائيل تُنكر”، على الرغم من الإجماع المتزايد بين الخبراء القانونيين، وباحثي الإبادة الجماعية، وخبراء حقوق الإنسان، والمجتمع المدني على نطاقٍ أوسع، على وقوع إبادة جماعية.ليس من دور هيئة الإذاعة البريطانية أن تعمل كمحامي دفاع عن إسرائيل أو أن تردد النقاط المحورية الإسرائيلية، بل من دورها أن تقوم بالاستقصاء الواجب والتحليل الدقيق للادعاءات التي قدمتها جميع الأطراف.
المصدر _ The NewArab