الثورة – رفاه الدروبي:
عندما التقينا بالكاتبة ليلى الهاشمي، أحسسنا أنَّها لا ترغب بالحديث مع أحد، إذ لاذت بزاوية المكان ولم يكن يدور في خلدنا أنَّها خجولة، قليلة الكلام، هادئة، وتحمل في داخلها بركاناً من السرديات تريد أن تفرشها على الورق الأبيض عندما تترك لقلمها الحرية في تدوين كل ما تراه على أرض الواقع من ظلم وجور ارتكبه نظام الأسد المخلوع، إذ شاركت في “أربعاء حمص” وتمَّ اختيارها ضمن الفريق الإعلامي لمدينة المعارض في دورته الحالية، لكن أسئلة كثيرة طرقت أذهاننا أثناء لقائنا معها، مثل: مَن تكون الكاتبة، وما دور أسرتها، وكيف استطاعت الكتابة في ظروف صعبة أن تقف على أرضيَّة ثابتة؟
من تكون ليلى؟
تنتمي الكاتبة الهاشمي إلى عائلة حمصية تهتم بالثقافة والأدب، فعمها الكاتب نور الدين الهاشمي، كان له أثر مهمٌّ في الجانب نفسه، وكانت مكتبته وجهتها الدائمة لسنوات طويلة، منذ لحظة تعلمها القراءة، وكثيراً ما شجَّعها وأسدى لها النصائح، وبشكل عام كانت تستمتع بالنقاشات العائلية المتناولة مجالات الأدب والفكر والسياسة.
بدأت ومضة كتابتها الأولى منذ الطفولة المبكرة، حين وقعت في سحر الحكايات وقصص الأطفال عندما كانت تجد في الكلمات ملاذاً وخيالاً لا ينتهي قبل النوم.. كانت والدتها تجلس بجانب سريرها لتسرد لها الحكايات كل ليلة.. ويعود الفضل الأكبر للأم في زرع بذور حبِّ الحكاية داخلها منذ الصغر، وتشجيعها حتى الآن.
لا تزال تلك اللحظات الصغيرة من الطفولة تلقي أثرها في كتاباتها، وتزرع في داخلها حبَّ القصص، فيما طغت في الوقت نفسه مناهج دراسية تقيِّد الخيال والموهبة لدى الطفل، لذا وجدت نفسها تميل أكثر نحو الأنشطة الفنية واليدوية، بينما ظل الخيال يغلي في داخلها بحثاً عن متنفسها على الورق، ووجدت راحتها في التعبير عن أفكارها ومشاعرها بالكتابة في فترة المراهقة، إذ اتسعت المساحة أكثر، فبدأت محاولاتها الأولى بكتابة الشعر، وكانت تلك بدايات نوافذها الأولى نحو عالم السرد والقصّ إلى أن نشرت أول رواية خطتها أناملها بعنوان: “حمم باردة”، بعد مشاركتها في مسابقة “أنثيال” المُنظَّمة في المملكة العربية السعودية للعمل الأدبي الأول.
تابعت ليلى درب العلم، فدرست بدايةً في كلية السياحة البعيدة كلَّ البعد عن الأدب، وبعد التخرُّج عام ٢٠١٣ عادت من جديد لدراسة اللغة الإنجليزية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة حمص وتخرَّجت عام ٢٠١٨.
الكتابة نافذة
وعن تجسيدها واقع المرأة والأم، وخاصة والدتها، وأوجاع الحرب وتأثيرها على الفرد والأسرة والمجتمع، حاولت أن تكتب عن الحياة اليومية للنساء في سوريا، عن أحلامهن ومحاولاتهن المستمرة للبقاء والنجاة وسط كل ما يحدث.
إنَّ سنوات الثورة والحرب تركت أثرها العميق على الشخصيات المكتوبة لديها، فانعكس ذلك على العلاقات الأسرية، وعلى طريقة فهمنا للحياة والموت، وعلى أسئلتنا حول الحرية والكرامة والظلم.
تكتب بأسماء مستعارة
استطاعت تمرير كتاباتها في ظل الحروب والنظام المستبد في بداية الثورة، إذ كانت تكتب بأسماء مستعارة، حفاظاً على نفسها وعائلتها لكن حين قررت نشر أعمالها بشكل رسمي اختارت أن تكون باسمها الحقيقي، وساعدها في ذلك أن دور النشر كانت خارج سوريا، ما منحها مساحة أوسع من الحرية، رغم أنَّها لم تستطع إدخالها إلى البلاد بشكل رسمي، بل كانت تطلب إحضار نسخ محدودة بمساعدة الأصدقاء المسافرين إلى خارج القطر كي تتحاشى نوعاً ما التحدُّث عنها في الأماكن العامة.
مؤلفاتها
رواية “حمم باردة” تتناول ما يحدث في المدن المتصدرة عناوين نشرات الأخبار، ثم غابت عن الاهتمام بعد ذلك.. تُسلِّط الرواية الضوء على مصير الناس في مرحلة ما بعد الحصار، وبعد دخول قوات الأسد إلى حمص، من خلال رحلة تقوم بها مخرجة عادت إلى مسقط رأسها لتوثِّق أحوال الناس وما خلَّفه الدمار في حياتهم.
يشير عنوان الرواية إلى “الحمم الباردة”، أي حجارة البازلت السوداء الشهيرة في واسطة العقد، لافتة إلى أنَّ روايتها الثانية كانت “أربع تذاكر للهروب”، إذ تدور حول حياة ثلاث نساء سوريات جمعتهن الصدفة، لكنهن يخضن صراعاً مستمراً مع الواقع في محاولة للهروب من الظروف القاسية داخل سوريا.