الثورة – ثورة زينية:
في مشهد يعكس توق السوريين للحياة.. شهدت أبواب معرض دمشق الدولي في الأيام الأولى ازدحاماً خانقاً مع تدفق آلاف الزوار منذ ساعات العصر وحتى ما بعد غروب الشمس، في طوابير طويلة امتدت لمئات الأمتار تحت أشعة الشمس الحارقة، إذ تحولت الطرق المؤدية إلى المعرض إلى صفوف طويلة من السيارات العالقة في زحام مروري خانق، امتد من أوتوستراد القدم إلى أطراف منطقة الدحاديل ودوار المطار.
تعثر عند عتبة الدخول
مشهد الفوضى المرورية لم يكن مفاجئاً، لكنه كان كفيلاُ بتحويل رحلة الوصول إلى المعرض إلى تجربة شاقة للكثير من الزوار، الذين خرجوا ليعلقوا لساعات في طوابير لا تتحرك من دون إرشاد واضح أو توزيع فعال للمداخل.
وعلى الرغم من التسهيلات المعلنة من نقل مجاني وبوابات إلكترونية حديثة، بدت مداخل المعرض عاجزة عن استيعاب هذا السيل البشري المتواصل، وسط مشاهد اختلط فيها الحماس بالضيق والتطلع للوصول بملامح الإنهاك.
سميح شريباتي، أحد زوار المعرض قال: لقد بقينا أكثر من ساعة داخل السيارة من دون أي حركة، إذ لا توجد لافتات دلالية، ولا من يوجه أو ينظم السير، فالوصول الى داخل المعرض كان مغامرة متعبة جداً لي ولعائلتي التي أنهكها الانتظار في السيارة.
المهندس رامز كيال، زائر للمعرض، اعتبر أن الإقبال الجماهيري الكبير لم يكن مفاجئاً بعودة المعرض بعد 6 سنوات من الغياب، والدخول المجاني، والطقس المعتدل.. كلها مؤشرات كانت كافية لاستشراف حجم الزحام المتوقع، لكن غياب خطة مرورية مرنة وتوزيع غير مدروس للمداخل، جعلت من اليوم الأول اختباراً فشل في أول سؤال: كيف نصل؟.
وأضاف: الازدحام على مداخل المعرض لم يكن مجرد مشكلة مرورية عابرة، بل نقطة ضعف في حدث يفترض أن يحاكي المعارض الدولية في التنظيم والكفاءة، فحين تتعطل تجربة الزائر قبل وصوله تفقد المناسبة جزءاً من بريقها ويستنزف الحماس عند العتبة الأولى.
لم يجبروا على الحضور
وبين الزحمة الخانقة على أبواب المعرض، وغياب التوجيه داخل المدينة الواسعة، وبين العرق المتصبب من وجوه الزوار الواقفين لساعات في الشمس- وهنا تكمن المفارقة- الناس لم يجبروا على الحضور بل جاءوا طواعية، رغبة جماعية بالتواصل وبالانتماء إلى حدث يبدو أكبر من تفاصيله.
وقد أتت هذه الدورة بعد انقطاع دام ست سنوات، محملة برمزية كبيرة، إذ يشارك فيها أكثر من 800 شركة من 22 دولة، لكن التنظيم رغم الجهود المبذولة لم ينج من اختبار الضغط الجماهيري الهائل، ورغم التصريحات الرسمية السابقة التي تحدثت عن خطة تنظيمية متكاملة، بدت الشوارع المؤدية إلى المعرض أضعف حلقة في السلسلة التنظيمية، مع غياب التنسيق بين حركة السيارات الخاصة والباصات المخصصة للنقل المجاني التي تعرقلت هي الأخرى وسط الزحام.
وتتكرر الأسئلة.. هل كان التنظيم على قدر الشغف الجماهيري.. هل العدد فاق التوقعات.. أم أن التنظيم لم يرتق لحجم الحدث.. وهل كانت التجربة بالمستوى الذي يليق بهذا الحضور؟.
غابت المعالجة الميدانية
الخبير في شؤون تخطيط الطرق والمواصلات المهندس رافع السروجي بين في تصريح لصحيفة الثورة أن ما حدث في الأيام الأولى للمعرض كشف عن فجوة بين الطموح التنظيمي والحلول الميدانية، فعلى الرغم من وجود خطة واضحة لتسيير باصات النقل من نقاط محددة داخل العاصمة، إلا أن الكثافة البشرية الهائلة فاقت التوقعات، لتعيد إلى الأذهان مشاهد من دورات سابقة عانت من أزمة الخروج الجماعي في ساعات الذروة، إذ شكّل الوصول إلى هناك كان بمثابة مهمة شاقة.
وأضاف: المعرض تحول إلى مناسبة عامة للقاءات العائلية والتواصل العائلي والاحتفال، حتى وإن كان الثمن ساعات من الازدحام والانتظار، منوهاً بأن النجاح كان واضحاً من حيث المشاركة الدولية والأمن وترتيب الأجنحة، لكنه جاء منقوصاً ميدانياً، إذ لم يواكب العمل اللوجستي على الأرض الزخم الجماهيري الكبير، فما يحتاجه المعرض مستقبلاً ليس فقط التحضير بل محاكاة واقعية لحجم الجمهور وتفاصيل تجربته اليومية، من لحظة الخروج من المنزل وحتى العودة.
اختبار الميدان أكثر قسوة
قد يبدو تنظيم فعالية كبرى مثل معرض دمشق الدولي مغامرة محسوبة، لكن أن يتحول هذا الحدث إلى مشهد وطني يتدفق إليه عشرات الآلاف فذلك يعني شيئاً أبعد من مجرد مناسبة اقتصادية، إنه فعل رمزي عميق، ومؤشر دقيق على علاقة الناس بالحيز العام.
لا يمكن إنكار الجهود المبذولة، بل ليس من الإنصاف تجاهل ما تم إنجازه، لكن اختبار الميدان أكثر قسوة من الخطط المكتوبة، فالمطلوب الآن ليس تبريرات بل مراجعة دقيقة لكل تفصيل يخص تنظيم المعرض لهذا العام لتلافيها مستقبلاً في الدورات القادمة للمعرض، فمعرض دمشق الدولي نجح في استقطاب الحضور، لكن نجاحه الحقيقي سيقاس بقدرته على تحويل هذا الحضور إلى تجربة منظمة.