ماجد المالكي – صحفي سعودي:
في لحظة بدت كاشفة عن جوهر المرحلة، اتخذت وزارة الخارجية السورية قرارها بإعادة بعض الدبلوماسيين إلى الإدارة المركزية في دمشق.
قد يبدو الأمر للوهلة الأولى حركةً إدارية روتينية، لكنه في العمق إعلانٌ صريح بأن الدولة قررت مواجهة الخلل بصرامة، وإغلاق أبواب التسيّب التي دنّست قدسية الدبلوماسية.
لقد هزّت الرأي العام أخبارٌ متواترة عن تلاعبٍ في حجز المواعيد داخل عدد من السفارات السورية، بدءاً من الرياض حيث تحوّلت المواعيد المجانية إلى سلعة تُباع بين مئة ومئتين وخمسين ريالاً، وصولاً إلى إسطنبول وبرلين وبيروت ونيويورك. صورةٌ شوهت سمعة البعثات، وأثقلت كاهل المغترب السوري الذي لم يطلب سوى حقه البديهي في خدمة نظيفة تحفظ كرامته.
لكن دمشق وهي تستعيد زمام المبادرة بعثت برسالة قوية؛ أن الدبلوماسية ليست مزرعة شخصية، وأن شرف التمثيل الوطني أكبر من أن يُرهَن لمصالح ضيقة. إنّ إعادة بعض الدبلوماسيين لم تكن عقوبة بقدر ما هي إعلان عن نهج جديد، نهج يعيد الاعتبار لكرامة المواطن ويضع حداً للعبث الذي جرح هيبة الدولة..
ما قيمة السياسة الخارجية إذا لم تبدأ من حماية السوري البعيد، الطالب والموظف والعامل والمغترب، الذي يريد من سفارته أن تكون بوابة للوطن لا بازاراً للابتزاز.. ؟ إنّ القرار الأخير يحمل بعداً إنسانياً لا يقل عن بعده السياسي، فهو يخفف عن أسرٍ انتظرت مواعيدها بقلق، وعن طلابٍ ومرضى عُلِّقت أوراقهم رهينةً لمساومات باردة..
إنها لحظة مفصلية تُعلن أن الدولة بدأت بمداواة جراحها من الداخل، وأن الإصلاح الحقيقي لا يقتصر على المؤتمرات والبيانات، بل يبدأ من تفاصيل صغيرة تشكّل في مجموعها صورة الوطن. وعلى هذا الطريق يصبح القرار علامة مضيئة في سجلّ الإصلاح الإداري والسياسي، وبشارةً بأن المرحلة المقبلة ستقوم على الشفافية والرقابة والمحاسبة..
لقد انتصرت كرامة الوطن على عبث المصالح، وارتفع صوت القانون فوق همس الفساد، وعاد الأمل بأن السفارة ستعود بيتاً للسوريين في الغربة لا عبئاً على غربتهم، وإذا ما استمرت الخطوات على هذا النهج، فستُكتب للدبلوماسية السورية صفحة جديدة عنوانها: الشفافية والكرامة أولاً..