الثورة – حسين صقر:
لحماية حقوق المختطفين في سوريا أيام النظام البائد أهمية كبيرة، لكونها حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وضرورةً ملحة لضمان العدالة والكرامة، وسبيلاً أساسياً لتحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية في البلاد، في وقت يجب أن يشمل ذلك توثيق مصير المفقودين، والعمل على إطلاق سراح المعتقلين بشكل تعسفي، وضمان المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة، بالإضافة إلى معالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي لحقت بالمختطفين وعائلاتهم، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.
وفي سوريا لكل فرد حقوق أساسية في الحياة والحرية والكرامة، وبالتالي فحمايته من الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري هي ضرورة أخلاقية وإنسانية.
تحقيق العدالة
ولتسليط الضوء على أهمية حماية حقوق المختطفين والمخفيين قسرياً، تواصلت صحيفة الثورة مع المحامي خالد الصالح الذي بدأ حديثه بالقول: أحب أن أنوه بأن العنوان الذي يجب أن يكون الإخفاء القسري، وهو الأصح لغوياً، وبما ينطبق مع واقع الحال للجرم الواقع على الضحية، مضيفاً: من حيث المبدأ لا جريمة ولا عقاب إلا بموجب نص قانوني، وهذا المبدأ مكرس عبر التاريخ بدساتير الدولة السورية، كما أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مكتسب للدرجة القطعية.
وأضاف الصالح: يمثل إخفاء الأشخاص والاحتجاز غير القانوني انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، ويتطلب جمع الأدلة والمساءلة لضمان عدم الإفلات من العقاب، وبذلك تتحقق العدالة، منوهاً بأن المفقودين جزء من المجتمع السوري، ومعالجة قضية اختفائهم وتعذيبهم هي خطوة أساسية لبناء الثقة وتقوية التماسك الاجتماعي، بما يساهم في التعافي والمصالحة الوطنية، ويلبي تطلعات السوريين، وبالتالي فحماية حقوق المختطفين تندرج ضمن تلبية هذه التطلعات العميقة، ويحقق لأسرهم بشكل خاص والسوريين عامة الكرامة والحقوق العادلة.
تعزيز سلطة القانون وحماية الحريات
وقال الصالح: إن العقوبة شخصية، ولا تزر وازرة وزر أخرى، إذ إن الإخفاء القسري هو التعدي على شخص ما وسلبه حريته من دون وجه حق من قبل فرد أو أفراد أو جهة لا تملك ذلك الحق، أو الاعتداء عليه قانوناً، وغير مخولة بذلك، وليس لها أي صلاحيات، وبالتالي فتجاوز تلك الصلاحيات يندرج في إطار الجريمة بحق المعتدى عليه.
ورداً على سؤال، كيف نعزز حماية حقوق المختطفين الإنسانية الأساسية، قال: برأيي المتواضع أنه يتم ذلك من خلال تكريس عدة مبادئ، كتعزيز سلطة القانون واستقلال القضاء، وحماية الحريات العامة والخاصة وأعراف المجتمع، وتکريس مبادئ، حقوق الإنسان عبر قوانين ملزمة للأفراد والمجتمع والدولة، وكذلك تعزيز سلطة القضاء بالإشراف التام على جميع مفاصل العمل الأمني والمؤسساتي، وعدم التهاون بأي عمل فردي حتى لا تتحول الأعمال الفردية إلى عرف عام لدى البعض من الخارجين عن القانون ومن يدعي الانتماء للقوات الأمنية.
ونوه المحامي الصالح بضرورة رفع مستوى نظم التأهيل والتعليم والتدريب في السجون، حتى لا تتحول من دور ومدارس للإصلاح والتأهيل المجتمعي إلى ملاذ آمن لتشكيل العصابات المخلة بالأنظمة والقوانين والتشريعات العامة.
عقوبات رادعة
واقترح المحامي الصالح تشكيل جمعيات أهلية وبالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية لرعاية أسر وذوي المخفيين قسرياً، ووضع عقوبات رادعة على أي جهة أمنية أو شرطية تعتقل أي شخص من دون إذن قضائي وأن يتم إعلام ذويه في وقت قصير لا يتجاوز اليوم الواحد عن مكان احتجازه، وفتح باب الزيارة لعائلته والسماح له بتوكيل محامٍ والتواصل معه صيانة لحق الدفاع المقدس وعدم السماح للجهات المسؤولة يتجاوز الصلاحيات المرسومة لها قانوناً تحت طائلة العقاب القانوني.
وقال: إنه بوضع قوانين صارمة على الجهات الأمنية بعرض الموقوف على القضاء في مدة لا تتجاوز الثلاثة أسابيع وفق القانون يجعل الجميع أمام مسؤولياتهم.
وأشار إلى أهمية إلغاء العقاب الجسدي من دون التوقيف والتحقيق، وإصدار قانون ينظم الحياة السياسية والحزبية في البلاد بعيداً عن الإثنيات، وعلى أساس رؤية فكرية وطنية وتجريم العنف السياسي.
وختم الصالح: إن الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي يسببان معاناة لا توصف للمختطفين وعائلاتهم، والحماية تضع حداً لهذه المعاناة وتمنح الأمل بمستقبل أفضل.
أهمية التوثيق
“الثورة” تواصلت أيضاً مع بعض الفعاليات التي روت قصصاً لإخفاء قسري من عائلاتهم، وأكدت أنه لضمان الحقيقة والعدالة، يجب جمع كل الأدلة المتعلقة بالمختطفين والمختفين، وتوثيق ما حدث لهم لاستخدامها في المستقبل، لأن معالجة مسألة الأشخاص المفقودين وتوضيح مصيرهم أمر ضروري لتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا، وضرورة أساسية في أي عملية انتقال سياسي لضمان عدم تكرار انتهاكات حقوق الإنسان، وبالتالي فمساعدة المختطفين وعائلاتهم يساعد على التعافي النفسي والاجتماعي، ويوفر الدعم المعنوي اللازم لهم.
وتقول حنان عبد الباقي: كان العام 2012، كابوساً حقيقياً، بعد ان تم اعتقال ابنها، واحتجازه على خلفية مشاركته في المظاهرات السلمية ضدّ النظام السابق، وتتذكر اللحظة عندما مرت من أمام باب غرفته ولم تجده، وكانت تتخيل في كل لحظة أن أحداً يرمي بجثّة ابنها أمامها.
وعلى الرغم من أنها سعت جاهدة إلى عدم الإصغاء لغريزتها التي أَملتْ عليها أسوأ السيناريوهات، اكتشفت بعد مرور ثلاثة أشهر أنها كانت على حق، إذ خسرت ابنها بسبب العنف المروع الذي سمعت عنه.
قصة عبد الباقي تشبه مآسي آلاف الآخرين الذين فقدوا أحباءهم بسبب الإخفاء القسري أو الاعتقال أو التعذيب أو القتل على أيدي قوات النظام ومن معها.
ولهذا طالبت عبد الباقي بالعمل على حماية حقوق هؤلاء لمنع انتهاكات حقوق الإنسان التي يمكن ارتكابها، وذلك من خلال إنشاء منظمة مخصّصة لهذا الغرض حصراً.
البحث عن الحقيقة
بدوره معتز عليان، الذي فقد أخيه قال: على الرغم من أن عدد المفقودين غير معروف تماماً، فقد تعرض ما لا يقل عن عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال السوريين للإخفاء القسري أو الاحتجاز أو الاختطاف على أيدي القوات الحكومية في النظام المخلوع آنذاك، وبعض الجماعات التي تعارضت أهدافها مع أهداف الثورة.
وأضاف: يملك العديد من الأسر معلومات تؤكد أن أحباءهم قُتلوا، ولكنّ الالاف الآخرين لا يزالون عالقين في حيرة من أمرهم، ويعيشون في خوف وشكّ وعدم يقين، ولا يعرفون ما إذا كان أقاربهم سيعودون إليهم يوماً.