هوس الأحادية..!!

 

 

تدشن الولايات المتحدة الأميركية بخروجها من معاهدة الصواريخ المتوسطة مرحلة سباق تسلح جديدة، وتفتح الباب على مصراعيه أمام الهواجس التي تدفع العالم إلى استعادة تجاذبات الحرب الباردة وطقوسها التي أثارت وتثير الكثير من سيناريوهات الرعب المنتظرة.
فالمؤكد أن الخطوة الأميركية لم تكن خارج سياق المقاربة التي تنتهجها الإدارة الحالية، بحكم أن المنهج الذي يحكم الخطاب الأميركي يكاد يكرر نفسه، ويجترّ المصطلح ذاته، حين تنسحب من المعاهدات لتتبعها بالدعوة إلى عقد معاهدة أو اتفاق جديد يحسّن من الشروط الأميركية، وهو ما يوصف بالمقاربة الخاطئة لاعتبارات تتعلق بالسلوك الأميركي ذاته.
في المبدأ لا أحد يلغي معاهدة قائمة، ويباشر في البحث عن اتفاق على معاهدة جديدة، وكل ما يقال تحت هذا العنوان يبقى ذراً للرماد في العيون، ومحاولة تسويف مفضوحة، وفي الأبعاد ثمة خفايا وأهداف غير معلنة تحكم ممارسات إدارة ترامب على نحو صارخ، وتشي بالرغبة في الانقلاب على كثير مما ذهبت إليه الإدارات السابقة، وخصوصاً تلك التي تتعلق بتحديد سقوف توظيف فائض القوة الأميركية وإرهاصاتها المتعددة.
والأخطر أن جميع الخطوات الأميركية تنحو باتجاه التصعيد في العلاقات الدولية وتأزيم المشهد على المسرح العالمي، حيث تقود في نهاية المطاف إلى إعادة هيكلة علاقة أميركا مع العالم الحليف منه والخصم.. الصديق والعدو، على أسس تحافظ من خلالها على الهيمنة، وتتمكن من توظيف فائض القوة على نحو يعيد حالة الاستلاب والاستفراد بموازين القوة التي تريدها أن تكون في كفة هيمنتها بشكل كلي.
مفاتيح الدور الأميركي بنسخته الجديدة ترتكز على إعادة توصيف العلاقة على أساس فتح السقف باتجاه سباق التسلح، الذي يراهن الأميركي من خلاله على تطويع العالم، وإن تجربة الثمانينات لا تزال تدغدغ عقله، حيث يعيد التعويل عليها نظراً لتكلفتها الباهظة، التي يمكن أن تُجيَّر بطريقته من أجل دفع الثمن سياسياً، أو في الحد الأدنى تحسين اشتراطات الأميركي وشروطه، وربما إملاءاته التي يريد من خلالها أن يعيد تطويع العالم.
الهوس الأميركي بالهيمنة يعيد العالم إلى أتون سباق محموم سبق للعالم أن خاض تجربته المريرة، ودفع أثماناً باهظة كان يمكن لها أن تكون عوناً له في مواجهة المعضلات التي يعانيها عالم اليوم من فقر وجوع ومشكلات مزمنة أخرى، وفتح الباب على مصراعيه يعني ببساطة شديدة تحوُّل العالم إلى حلبة للمواجهة المحتدمة ستكون لها تكاليفها التي تفوق قدرة البشرية على تحمّلها.
الرهان الأميركي الصادم لم يعد مجرد احتمال، أو هو استنتاج من جملة الممارسات التي تقود إلى هذه المحصلة، بل واقع يتحكم بكل مفاصل القرار الأميركي ومراكز النفوذ، وصولاً إلى الاحتكارات وقواها العميقة داخل المنظومة الأميركية، وعلى العالم أن يتحضّر لمرحلة يكون فيها سباق التسلح وشبح العودة إلى الحرب الباردة سياقاً طبيعياً للممارسة الأميركية.
الهوس الأميركي بالأحادية التي تضع أوزارها، وما تجاهر به إدارة ترامب من تغول في استخدام فائض القوة لن يعيد أحادية تتجه نحو الأفول، فالقوى العالمية وتوازعها لم يعد ذاته الذي كان قبل ثلاثة عقود ونيِّف، حين تسيّدت أميركا من دون منازع، والقوى الصاعدة أخذت علماً بالمسعى الأميركي، والأهم أنها حفظت دروس الماضي القريب، كما أدركت من قبلها مواعظ البعيد وتدرجاتها الساخنة منها والباردة..!!
بقلم رئيس التحرير عـلي قـاسم
a.ka667@yahoo.com
التاريخ: الأثنين 5-8-2019
رقم العدد : 17041

آخر الأخبار
معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق سرقة أجزاء من خط الكهرباء الرئيسي المغذي لمحافظتي درعا والسويداء الاحتلال يصعد عمليات الهدم والتهجير القسري في طولكرم ومخيمها إسبانيا وبولندا ترحبان بإعلان تشكيل الحكومة السورية "تجارة حلب" تختتم فعاليات مهرجان رمضان الخير وليالي رمضان مُحي الدين لـ"الثورة": نجاح الحكومة يستند إلى التنوع واختلاف الآراء والطاقات الشابة