ثورة أون لاين – علي الأحمد:
43عاماً على الغياب المر، نستذكره في هذه الأيام الكئيبة التي نحياها مرغمين. نعيد قراءة هذه التجربة الابداعية المائزة، بقلوبنا، لا بأسماعنا، لأن هذه التجربة لاتأبه كثيراً للأذن الحسية ، بل تدخل القلب والروح والوجدان، من دون استئذان، فالحقيقي تجربة قلبية لاعقلية، قالها الكبير أدونيس، وهو ما تركه لنا من إرث ابداعي مديد، هذا العندليب الساحر ، وكأنه كان يدرك تماماً ، أن فنه الجميل النبيل، سيكون ملاذنا الأخير، في زمننا الشحيح هذا، الضنين بالجمال والابداع والفن الحقيقي.
-نعم نستذكره لابسبب هذا الغياب، بل بسبب الحضور الدائم، فوجوده معنا يمنحنا، “مناعة حقيقية” ضد “كورونا” الغناء العربي اليوم، الذي نفتش عبره، عن طيف هذا الفنان المثابر، فلا نعثر، إلا على بقايا من حطام وخراب مابعده خراب. لقد عاش عبد الحليم حياته، وكأنه في معركة دائمة مستمرة لاتريد ان تنتهي، فمن الفقر المدقع، الى المرض اللعين، الى عداوات الكار، وخيبات الحب المريرة، كان يخرج منها منتصرا، مزهوا، لأنه كان مثال، الفنان الإنسان، الذي حمل معه طوال حياته، سلاحه الأمضى، “الحب” ولاشيء سواه، ونحن هنا نتكلم عن شخصيته وتربيته الأخلاقية، وحضوره المؤثر والفاعل، في الحياة الفنية، بصحبة كل هذا الجمال الذي احاط بتجربته الفنية الاستثنائية، شعراً ولحناً، ومستمع، يقدر ويحترم الفن النظيف الراقي، الذي يحملك دائما، الى عوالم من الدهشة والسحر والعذوبة، نعم سكن الحزن قلبه واستوطن، لأنه كان إنساناً صادقاً مع ذاته كما مع الجميع، نذر حياته، لفنه، وأعطاه عصارة روحه ووجدانه، ليمنحنا كل هذه الكنوز الرائعة بحق، التي لاتزال الى يومنا هذا تحظى بكل الحب والتقدير. لم يسعى أبداً الى النجومية، بل كان جل مايريده أن يكون صوت الوطن والانسان، من دون إدعّاء أو تكلف، لقد منحته الجماهير العربية كل الجوائز والأوسمة التي يستحقها عن جدارة وتميز، كان فناناً معذباً، لم تثنه العقبات والعوائق. في شق طريقه وحفر مسيره الابداعي بإزميل النحات الماهر، لقد جاءت اغنياته تعبيراً صادقاً عن حياته وأيامه بحلوها ومُرها، من “صافيني مرة، رائعته الأولى التي لم تلاق النجاح المأمول، مرورا بروائعه الفاتنة، تخونوه، بحلم بيك، أهواك، الحلوة، أنا كل ما أقول التوبة، يامالكا قلبي، بلاش عتاب، قولي حاجة، ظلموه، فوق الشوك، أحضان الحبايب، أعز الناس، مداح القمر، زي الهوى، جانا الهوى، حبيبها، لست قلبي، وصولا الى روائعه الخالدة، جبار، ورسالة من تحت الماء، ورائعة الكبير نزار قباني والمبدع محمد الموجي، قارئة الفنجان ” وغيرها من ابداعات زمن الفن الجميل، توجت هذا الفنان، على عرش الأغنية العربية، الذي لاتزال أعماله الراقية، تقدم عبر أمسيات وحفلات وبرامج وتوزع منها ملايين الاسطوانات، في دليل قوي، على أن الفن الأصيل الجميل، لايموت أبداً، لأنه مكتوب بحبر ابداعي تمتزج فيه الأصالة وعراقتها مع الحداثة وجمالياتها، في سبيكة خالصة من الفن الراقي، الذي أضاء وعينا ولايزال، بإبداعات ذاك الزمن الوفي لدور ورسالة هذا الفن، بدايات ومنتصف القرن الماضي، الذي كان عبد الحليم حافظ، أحد فرسانه النبلاء، وصوت عصره في التعبير بعمق وصدق حقيقي عن قضايا الوطن والإنسان، نتذكره في أيامنا المتعبة وعصرنا النكد، علّ صوته يأتينا من بعيد حاملا لنا الفرح والحب وكل الجمال المشتهى، صوت الحب والحياة، أعز الناس الذي نفتقده في زمن العتم والخراب والبؤس الفني ، نعود إليه كملاذ وحضن دافئ، نصغي بقلوبنا الى شدوه وعذوبة صوته الشفيف، الذي ملأ أسماعنا وأغنى ذائقتنا بكل هذا الجمال والابداع الذي لايموت،43عاماً مضت، لكنها كانت كافية لتعطينا لمحة وافية عن مشوار وحياة هذا الفنان الاستثنائي، الذي منح فنه أحاسيسه وخلجات روحه ليمنحه الفن بالمقابل، كل المجد والخلود، الذي يليق به وبمكانته المستحقة، في تاريخ الغناء العربي المعاصر.