الثورة اون لاين – عبد الحليم سعود:
تعبرنا اليوم الذكرى المئوية لمعركة الشرف والبطولة التي قادها واستشهد فيها البطل يوسف العظمة إلى جانب المئات من رفاقه الأبطال ممن قدموا أرواحهم ودماءهم رخيصة في سبيل حفظ كرامة وطنهم والدفاع عنه في معركة غير متكافئة يعلمون تمام العلم أنهم لن يربحوها ولكنهم ربحوا الخلود في ضمير وذاكرة شعبهم وأمتهم باعتبارها ملحمة الشرف الأولى التي أسست لاستقلال سورية وحرية شعبها.
يرى الكثير من الدارسين لهذه الملحمة العظيمة أن ما جرى خلالها من بطولات وتضحيات نادرة، قد أسّس لفكرتي المقاومة والاستشهاد بمعناهما المقدسين، حيث كان الشهيد العظمة ورفاقه خير من جسد هذين المفهومين العظيمين بكل ما للكلمة من معنى، كي لا يسجل التاريخ في صفحاته أن مستعمراً غازياً غاصباً قد وطأ تراب وطنهم من دون قتال.
لم تكن معركة ميسلون برمزيتها التاريخية تحمل تلك الأهمية العسكرية، لأنها كانت شبه محسومة لصالح الغزاة المحتلين بحكم اختلال ميزان القوى العسكري بصورة كبيرة نحوهم، فالجيش الغازي كان أكبر جيوش العالم وأقواها آنذاك بما يملكه من عديد وعتاد وأسلحة متطورة بينها الطائرات والدبابات والمدافع والأسلحة الثقيلة، بينما لا يملك المدافعون عن دمشق سوى العزيمة والإرادة وحب الوطن وبعض الأسلحة البسيطة التي لا يمكن مقارنتها بما لدى العدو من وسائل قتل وبطش وتدمير، غير أن أهمية المعركة تأتي من قوة الموقف الذي اتخذه البطل يوسف العظمة برفضه إنذار غورو المتغطرس والرسالة التي قدمها أبطال ميسلون لأمتهم وشعبهم، الرسالة التي تحمل كل معاني النخوة والشهامة والشرف والكرامة وحب الوطن، فهم يدركون أنهم ذاهبون إلى الموت، ولكن فعلهم البطولي سيبقى حياً يلهم كل الأجيال التي ستأتي من بعدهم.
لقد لخّصت معركة ميسلون ذلك العنفوان الأصيل الذي يحمله شعبنا وجيشنا العربي السوري، العنفوان الذي يأبى الذل والخنوع ويرفض التفريط بالكرامة والأرض مهما كانت الأثمان والتكاليف، وكثيراً ما سمعنا عن هزيمة دول وجيوش دول عظمى واستسلامهم لأعدائهم دون شروط كما حدث في الحربين العالميتين وفي حروب أخرى، ولكن هذا ما عجز عنه غورو وجيشه الغازي في ميسلون.
لقد أدرك أبطال ميسلون أن الإنذار الذي وجهه غورو لحكومة الملك فيصل الضعيفة كان مجرد ذريعة لتطبيق اتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت التي قسمت كعكة المنطقة بين فرنسا وبريطانيا، ولاسيما أن سورية لم تكن قد تعافت بعد من آثار الاحتلال العثماني البغيض، والتشويه الفكري والنفسي والمادي الذي ألحقه العثمانيون الأوغاد بشعبنا، ولاسيما أن الغزاة تذرعوا بمبادئ الثورة الفرنسية من حرية ومساواة وعدالة وإخاء وشعارات زائفة ليخدعوا بها شعوب العالم ويعلنوا أنهم جاؤوا منتدبين على سورية ليساعدوا شعبها، ولكنهم قاموا بجريمة الغزو وفرض الهيمنة والاحتلال العسكري، وهذا ما جعل أبطال ميسلون يلبون نداء قائدهم ويخوضون معركة الشرف العظيمة، وباستشهادهم في ميسلون قدموا أمثولة نادرة في التضحية والبطولة والفداء، ليسجلوا بدمائهم الزكية أروع صفحات التاريخ، ويبعثوا في الأمة روح الثورة والمقاومة والنضال والكفاح، فلم يكد الغزاة يدخلون دمشق حتى انطلقت الثورات ضدهم في كل المدن والأرياف السورية، كما توحّد السوريون جميعاً تحت راية الثورة والمقاومة في مواجهة المستعمرين الطامعين، إلى أن تحقق لهم الاستقلال الناجز، وتم إجلاء آخر جندي فرنسي عن أرض سورية الغالية في السابع عشر من نيسان عام 1946 حيث لم يستطع المحتلون البقاء طويلاً وهم الذين كانوا يحلمون باحتلال طويل الأمد.
وإذ نحيي اليوم مئوية معركة ميسلون العظيمة يتبدى لنا الإرث العظيم لتلك الملحمة الخالدة في نفوس أبطال الجيش العربي السوري الذين خاضوا في السنوات العشر الماضية مئات الملاحم الخالدة ضد جحافل الإرهاب التكفيري الأسود المدعوم من عشرات الدول وبينها قوى عظمى ودول إقليمية طامعة، وحققوا الانتصارات العظيمة، محافظين بذلك على إرث ميسلون وإرث أبطالها العظام، ليؤكدوا المرة تلو المرة أن أرض سورية عصية على أعدائها والطامعين فيها وبخيراتها، وهذا ما يجب أن يعلمه الاحتلالان الأميركي والتركي، حيث ينتظرهما مصير مماثل لما لاقاه الفرنسيون في سورية حينما لملموا فلولهم وخرجوا يجرون أذيال الخيبة وعار احتلالهم وهزيمتهم، لأن روح المقاومة باقية ملتصقة بالشخصية السورية منذ ميسلون وما قبلها وحتى يومنا هذا، وهذا ما يفسر الاستماتة الأميركية والغربية والصهيونية والتركية للنيل من هذه الروح العظيمة ولكن هيهات، والأيام القادمة كفيلة بتلقين أعداء سورية الدروس المناسبة.
