الملحق الثقافي:شهناز صبحي فاكوش:
عندما يتجسّد الحبُّ في إنسانٍ، ويكون في ذاته ملازماً لروحك، في طهرهِ ونقائه، يكون لك الدنيا وما عليها.. عندما تتجسّد فيه قيمٌ عليا مما أحبّ الله أن يكرّم عبده ببعض من صفاته؛ تكون القداسة ثوباً منسلاً من قلبه، ليلتصق بجلده فلا ينقشع..
حينها أبعد ما يكون تفكيرك أنه قد يفارقك يوماً، لأنه ليس في حسابات أجندتك ولم يأخذ حيزاً من تقويم حياتك.. قد نحسب للسفرِ حساباً بعده عودة، وحساب المرض بعده شفاء، وللقطيعة الصغيرة حساب لظرفٍ ليس فيه جرحٌ ونخرٌ ووخزٌ، تصطلح بعدها الأمور ليعود الودّ والمحبة، وينبت الحبّ الصادق من شقوقٍ روتها ماءُ العفو..
من يمكن أن يكون أكثر الناس حباً لك، تبادله ذات الشعور.. حبٌّ من قياس النبلاء، عطاءٌ من صفات ألوهية، غمرٌ ينسيك همومك، أثناء عناقٍ تعجز الأبجدية عن وصفه. كتفٌ تسندُ عليه رأسك، وصدرٌ يغترف دموعك..
مَنْ غير الأمّ يحملُ كلّ هذه السجايا.. عندما سألوها قالت: الزوج موجود والابن مولود، لكن الأمّ قبل وبعد وفي الحياة لا بديل لها، منجبة الأخ وحليفة الأب في سرِّ الوجود، كيف وإن كانت قديسة وهبت شبابها لأبنائها، بعد فقد الأب الشاب..
تجدُ في كلّ واحد من السبعة ذاتها، من رفع نجوم أبيه على كتفيه، وعلا رأسه فوقها، ومن حقّق حلم أبيه ليحمل السماعة منصتاً لدقّاتِ قلبٍ موجوع، ومن حملَ اسم أبيه في ابنه، وكان الوالد فخوراً باسمه.. هو منارةٌ في سماء العلم والمجتمع..
والبنات الإشراقات الأربع، سعت بهنّ القديسة لتحمل كلّ سلاحها في الحياة، كما كانت تحبّ تسمية العلم والشهادات، ودعتهم كنزاً لا ينضب تربية صالحة وإخلاص ووفاء، أخذهم لمراكز اجتماعية مرموقة، وحضور ينطبع في ذاكرة من يعرفهن..
كانت في كلّ واحدة وواحد منهم، عميدة أدّت رسالتها وصانت إرث الأب فيهم. لم تحسب الأسرة السعيدة بأبنائها وأحفادها حساب يوم الفراق السريع، الذي داهمهم فأغرقهم بلجِّ بحرِ الحزن. كانت تمسح دموع من فقدت، الصبية والحفيد ثم الزوج..
حملت همّ من أثقلتها الحياة بهمومٍ كانت أكبر من عمرها الغض.. ملأت جرار الدنيا بحبها ووزعتها على كلّ من عرفها.. غرفت من قلبها شربة إثر شربة، روت بها العطاشى من أهلها وجيرانها ومحبيها.
نسجت من خيوط الشمس أوتاراً.. ليعزف كلّ ولد وحفيد، سيمفونيته النابعة من بئرِ حنانها المتدفق، الذي لم يتوقف حتى بعد توقف القلب، في إصرار البطارية على إتمام اللحنِ حتى النهاية..
نالت أوسمة العزة مع تفوق كلّ منهم.. غرست فيهم عشق الوطن.. فكانوا خير العاشقين الفادين له.. يرتّلونه آيات بيّنات، في كلِّ نبضةٍ من أعمارهم..
ياااه كم قاست.. كم تعبت.. كم سهرت.. كم تحمّلت من ثقلٍ.. ولما حان وقت الحصاد ليملأ بيدر خريف العمر؛ لتنهل من حبّاته ما تشاء، والحبة منهم بعشرة أمثالها منها.. تسلّل من بينهم القدر.. كم كان قاسياً، غير رحيمٍ بقلوبهم المتقطّعة..
كانت تسعد وتبدي سعادتها حتى لو كان الألم يعتصرها.. فصورة الشريك الذي تفتقده رغم طول سني الفقد، يغصُّ في صدرها.. مع كلّ مناسبةٍ من فرح أو حزن.. تشتهيه بينهم.. فتبهت الابتسامة على شفتيها.
عشرة أيام لا غير، تجاوزت فيها ما ألم بها، وبحكم الطب والعلم، غداً تعود إلى بيتها الصغير، القصر الوثير.. الذي أنجب بيوتاً عَزَّ مثيلها، في العزِّ والكرم والوفاء والحب.. زرعها الذي أثمر.. كم كانت قسوة يد المنون، وهي تنتزعها من بيننا، عنوة عن عيون الأطباء، والأهل، وكسراً لقاعدة العلم..
حُملت القديسة على الأكتاف إلى حيث المستقر في أخر منازل الدنيا، أودعتها قلبي وسلامي لأبي.. من لم أنس ملامحه، وللصبية وأبيها والحفيد.. إلى جنان الخلد.. قديستي الجنة تشتاقك.. حيث الأمهات الموعودات بها..
التاريخ: الثلاثاء7-9-2021
رقم العدد :1062