ثمة توقعات ترقى إلى مرحلة الجزم بأن حرباً كبرى واقعة لا محالة، فالعالم الذي يقبع فوق فوهة البركان يترقب لحظة الانفجار الكبير، والذي قد يحدث بفعل شرارة صغيرة.
لم تكن العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا رغبة موسكو في تجاوز التهديدات التي تطال أمنها القومي، وهي لم تكن ترغب باللجوء لهكذا عمل عسكري تجنباً للدمار والخراب، فضلاً عن حالة العداء الأوروبي التي ستزداد وترتفع في وقت اعتمدت فيه روسيا عقيدة سياسية ودبلوماسية تقوم على احترام ميثاق الأمم المتحدة والالتزام بمبادئ القانون الدولي وتطبيق المعاهدات وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول واعتماد سياسة الحوار منهجاً لحل النزاعات، الأمر الذي يعني مد جسور التواصل والتعاون مع المحيط الأوروبي، وهو ما عملت روسيا على تطبيق عوامل إنجاحه على امتداد العقدين الماضيين، في ظل العمل على زيادة مقدراتها النفطية والاقتصادية والتكنولوجية إضافة إلى قوتها العسكرية الكبيرة في الأرض والبحر والجو والفضاء بصورة فاقت القوة العسكرية الأميركية في تصنيع الطائرات والصواريخ وغيرها، فيما استمرت الحرب السرية بشأن امتلاك الأسلحة الدقيقة والذكية، كل ذلك لم يرق لواشنطن التي كانت ترى في القرن الحادي والعشرين قرناً أميركياً خالصاً لا تنازعها فيه أي قوة على وجه الأرض.
وبعيداً عن التقدم العلمي والعسكري والاقتصادي الروسي هناك قوة الصين صاحبة السياسة الهادئة والساعية لاستعادة حقوقها السياسية وأراضيها وأخذ مكانتها على الساحة الدولية، فيما تتقدم الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل وغيرها للدخول في ذات الدور والمكانة ، لتضع الولايات المتحدة الأميركية أمام احتمالين لا ثالث لهما في الوقت الحالي، أولهما القبول بمخرجات التطور والتقدم الذي وصلت إليه تلك الدول والقبول بمشاركتها على قدم المساواة ومبدأ الندية في التعامل والتعاون وبالتالي حل المشكلات الدولية بالحوار والتفاهم وفق قواعد دولية محددة، وثانيهما رفض هذه الحالة المستجدة واعتماد أسلوب مواجهة متعدد المستويات ما بين السياسي والاقتصادي والإعلامي وصولاً إلى العسكري بأنماط مختلفة، تمتد من استخدام المجموعات الإرهابية أو الحرب بالوكالة خارج حدود الولايات المتحدة الأميركية نفسها وصولاً إلى الحرب الكبرى في نهاية المطاف.
فالولايات المتحدة الأميركية التي تعيش حالة رفاه ورغد لاستغلالها مقدرات العالم والتي تسيطر على أموال العالم وتوظفها في تنمية اقتصادها ليحافظ على مكانته المتقدمة على مجموع اقتصادات العالم لا تقبل بالتخلي عن تلك المكتسبات التي استغلت بها ألعالم كله، بما فيها أوروبا حليفتها التاريخية.
وفي ظل المخاوف من نتائج الصدام المباشر كان التركيز على أوكرانيا لتكون مكان وساحة المواجهة، وهو ما توقعه الكثيرون منذ عشرين سنة، لتفرض واشنطن على حليفاتها معاداة روسيا واتباع سياسة عدائية متدرجة على امتداد العقدين الأخيرين وصولاً إلى الموقف الحالي بكل ما يحمل من متناقضات وتضاد في المصالح والمكتسبات، فأوروبا في عدائها مع روسيا تواجه خسائر كبيرة وتعمل ضد مصالحها وتقدم ضريبة متزايدة وتعرض مدنها وبلادها للدمار بصورة تفوق خسائرها في الحرب العالمية الثانية.
فالعالم مأزوم في علاقاته في ظل عدم الرضا الأميركي بالاعتراف بالمتغيرات والتطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية خارج حدود سيطرتها فتدفع بالعالم لمواجهات وعداوات تحاول استغلال نتائجها للحفاظ على الحالة الراهنة، وهو الأمر المرفوض من الجانب الروسي والصيني وغيرهما، ما يزيد الواقع تعقيداً ويدفع بالعالم نحو مواجهة ستكون نتائجها كارثية على البشرية كلها.
واليوم تدخل هذه المواجهات مرحلة التهديد بالضغط على الزر النووي في الشرق والغرب بانتظار حصيلة الحرب بالوكالة من خلال أتباع وحلفاء لا يقوون على الرفض واعتماد مصالهم طريقاً لإقرار علاقات دولية متوازنة. ليعيش العالم حالة توتر وترقب بانتظار موقف واشنطن في الإقرار بالواقع، أو رفضه ونقل الصراع إلى الفضاء.