الثورة – آنا عزيز الخضر:
العمل الفني الذي يلتزم بواقعه، هو من يجسّد الفن الحقيقي، لأنه يشير إلى مكامن السلبيات التي تأخذ الناس بجريرتها إلى الهاوية. هنا يأتي دور الفن في تعريتها، وتسليط الضوء على تداعياتها وانعكاساتها المختلفة.. الظاهرة منها والمخبوءة، وكلما امتلك الإمكانية والدقة في الكشف عن تبعاتها، كلما تمكن من النهوض بمسؤوليته المأمولة بشكلٍ أدق..
هذه المعطيات حضرت بقوة عبر العرض المسرحي “صنع في الجحيم رقم اثنان”ّ. تأليف وإخراج “عمرو أبو سعد”..
حول العرض وتفاصيله وطرحه، تحدّث “أبو أسعد” قائلاً:
“يستند العرض على حكاية، تتكون من فتاتين جمعتهما الظروف والصدفة، فعاشتا مع بعضهما البعض.. إحداهما توفي أهلها في تفجير، والثانية انفصلت عن عائلتها بسبب ظروف الحرب.
هذا هو المتن الحكائي الذي أردنا من خلاله، تقديم فكرة العمل الداعية للتخلص من المفاهيم الخاطئة، والقيود الوهمية التي تحدّ من الفكر والثقافة والإبداع، واتبعنا أسلوبا واقعيا حيناً، ورمزياً في خلق الدلالات السيميائية حيناً آخر، وذلك لتوضيح المعنى وتعميقه في كثير من المواقع.. كاللونين الأبيض والأسود، وهما لونان بينهما علاقة تضاد وتناقض وإقصاء في نفس للوقت، إن وجد أحدهما يلغي الآخر، وبالضرورة يقصيه.
هنا كان لنا أسلوبنا في إضافة اللون والضوء والصوت، لتقديم إزاحات دلالية متعددة، وخلق تركيبات دلالية أيضاً، وأهمية طرح هكذا فكرة بهكذا وقت، في ظل الظروف التي نعيشها، ضرورة تفرض علينا تسليط الضوء على المشاكل الاجتماعية والفكرية والأخلاقية الناتجة عن خلل في البنية التحتية للمجتمع، والاستناد على نظرية الانعكاس التي تقول، إن كل المجتمعات تقسم إلى بنيتين.. بنية تحتية وهي الواقع الاقتصادي والإنتاج وعلاقات الإنتاج وبنية فوقية وهي النتاج الفكري للمجتمع، من عادات وتقاليد وفن وثقافة بشكلٍ عام، وأي تغيّر في البنية التحتية، سيؤدي بالضرورة إلى تغير في البنية الفوقية، في الثبات أو الرفض، وبالتالي هنا سلطنا الضوء على تردي الواقع الاقتصادي، الذي أدى إلى تردي الواقع الثقافي والفكري والحضاري، وبالتالي انتشرت الجريمة كما انتشر الفساد الاجتماعي..
أعتقد أنها فكرة ملحة، يجب أن تتكاتف جهودنا كافة، لمقاومة موجة التردي التي نعيشها بسبب الحرب، ابتدءا من الفن..
العرض يقدم مفهوماً نفسياً في ما يسمى “اضطراب ثنائي القطب” الذي يتطور عند الشخصيات، ليصل لمرحلة متقدمة، كما تقدم شخصيات العرض هنا، ما نعانيه اليوم من شيزوفرينيا اجتماعية، وصلنا لها جميعاً، حيث يعيش مجتمعنا في حالة فصام اجتماعي، ما بين موروث من عادات وتقاليد، و ماهو معاصر من تطور أدبي علمي، فلا يتمكن من مواكبة ما هو حديث ومعاصر.. طبعاً هنا الفكرة أكثر عمقاً، وتحتاج إلى نقاش أكثر و أكثر…
لقد حصل العرض على جائزة، وهي تعني لنا معنوياً بشكلٍ كبير، فهي تقدير لما قدمناه من فكر، وجهودنا لاقت آذاناً صاغية، وهذا تشجيع على الاستمرار في العمل، ومحاولة تقديم مواد إبداعية يستحقها مجتمعنا وبلدنا السوري”..