” القراصنة يفوزون.. “

فكرة القرصنة كانت، ولا تزال، تقع في خانة الجريمة، وإذا ما سمعنا هذه التسمية قفزت إلى الأذهان فوراً قصة السرقة في أعالي البحار، إلا أنها الآن على الأرض، وفي مجالات شتى مع تطور الرقمية فاتخذت لها صفة أخرى، وتسمية جديدة بعد أن أُلحقت بها كلمة (إلكترونية)، وغدت مطلوبة.. لا بل أصبحت تعتبر مقياساً للذكاء، كما تعبّر عن براعة مَنْ يتقن لعبتها لدرجة أن مؤسسات الرقمية الكبرى باتت تستقطب هؤلاء القراصنة ليعملوا لحسابها.

وإذا افترضنا أن أموراً كثيرة في حياتنا قد تغيّرت بسبب الثورة التكنولوجية، ودخول الرقمية إلى مجالات واسعة بل تغوّلها، فإن بعض المفاهيم، والمعايير الأخلاقية قد تغيّرت أيضاً شأنها شأن ما فعلته المعاصرة في حياة الجماعات، والأفراد بعد أن أصبح هناك ما هو من الجديد الذي يجذب إليه كل أحد.

وهكذا تحولت القرصنة إلى حقول جديدة، وبات لها مجالات أرحب كالقرصنة الإلكترونية، وغيرها البيولوجية، والأخرى للملكية الفكرية، وبراءات الاختراع، ووصلت أيضاً إلى الأدب الذي لم ينجُ هو الآخر من براثنها عندما يسطو أحدهم على الإنتاج الفكري لغيره، وخاصة ذلك المبثوث عبر شبكة المعلومات، فيقوم بنسبه إلى نفسه، أو يقوم بترجمته من لغته الأم إلى لغة أخرى دون دراية من صاحب النص الأصلي، ودون حفظ لحقوق ملكيته الفكرية.

أما القرصنة التجارية فهي الأكثر رواجاً عندما تستحوذ شركة ما على حقوق استغلال مادة طبيعية ما، وعندئذ لا يحق لغيرها استخدامها، أو استغلالها، ليصبح الأمر أشبه ما يكون بسطوٍ عالمي لحساب قوى كبرى على حساب أخرى صغرى، أو أضعف منها، وفي تعدٍ أحياناً على سيادة بعض الدول.

مصطلحات حديثة لأحوال مستحدثة، إلا أن المضمون الأخلاقي يبقى واحداً في كل الأحوال، ومهما تبدلت الدنيا من حالٍ إلى حال.. ولكن هكذا غدا عليه الحال في القرن الحادي والعشرين الذي أسفر عن تطورٍ واضحٍ في كل مناحي الحياة المعاصرة، ولكن دون أن تتطور فيه أخلاقيات التعامل بين البشر كما يُفترض أن تكون.. وحتى البيئة لم تسلم من القرصنة في التعدي عليها تلوثاً، واستنزافاً لمواردها، والدليل على ذلك هي قمم الأرض التي تعقد بين عامٍ وآخر، وربما بشكل طارئ بذريعة الحفاظ عليها، ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بيئة تُستنفذ ولا تُستنقذ، وتُستهلك ولا تُوفر، وتُجترح ولا تُحترم.

إن للمواقع الإلكترونية الكبرى، وبرامج التشغيل الكبرى أيضاً ذات الأهمية الخاصة، والتي باتت تعتمدها الدول في استخدامات شتى، لهذه جميعاً حقوق عالمية في الحماية، والصيانة، والحفاظ عليها من أن تُخترق لتتعطل، أو لتُدمر، ولهذا السبب يقوم أصحاب الشركات المنتجة لهذه البرامج، وهذه المواقع الإلكترونية بالبحث عن هؤلاء الأذكياء الذين باتوا يعرفون باسم (القراصنة)، وبرعوا في اكتشاف الثغرات الأمنية، ونقاط الضعف فيها، والتي بإمكانهم التسلل من خلالها إلى المواقع الإلكترونية، وإلى برامج الأمن الداخلي، وإلى تلك التي تشغل مؤسسات خدمية مفصلية في حياة الدول بعد أن أصبحت جميعها تعتمد على الرقمية في خدماتها، وإلى اختراق البريد الإلكتروني لجهات ذات أهمية، أو للأفراد على حدٍ سواء.. فإذا بأصحاب أكبر شركات التكنولوجيا يستدعون هؤلاء الذين تمرسوا في عمليات الاحتيال، والاختراق ولغاياتٍ شتى، ونجحوا في القرصنة بحق الخصوصية، وسرقة الحسابات البنكية، ليبحثوا لهم عن الثغرات البرمجية غير الآمنة لمعالجتها، وبناء حوائط لها للحماية ضمن خطة الأمن (السيبراني) لأنظمتها، وبرامج التشغيل.

وها هي هذه الشركات العملاقة ترصد المكافآت المالية الطائلة بمئات الألوف، أو بالملايين لاستقطاب القراصنة ممن يسمونهم (الهاكرز) إذ لم تعد القرصنة في كل مجالاتها هواية بل أصبحت مهنة تُحترف، وعملاً يمتهنه بعض محبيه، ويجد له كرسياً وظيفياً بمرتب خرافي لدى واحدة من شركات التكنولوجيا العالمية، مما أصبح يشجع على امتهان القرصنة كواحدة من المهن الحديثة التي يكثر عليها الطلب، والتي تدر الأموال لأصحابها بغير حساب.

فإذا كانت مهنة الطب تعتبر مهنة أخلاقية لا يجوز أن يتجاوز فيها الطبيب على قسم أبوقراط، أو غيره من مواثيق الشرف لصيانة هذه المهنة، ومهمتها في الحفاظ على الحياة الإنسانية، ومثلها مهنة الهندسة في البناء حتى لا ينهدم فوق رؤوس البشر، وكذلك المحاماة، والقانون الذي يحفظ الحقوق للناس، وينظم التعاملات فيما بينهم، وغيرها كثير إلى آخر القائمة.. فماذا سنقول عن مهنة القرصنة هذه التي لا تكتفي بالمساعدة على سد الثغرات الأمنية، بل إنها تذهب أبعد من ذلك في التعدي على الغير لمآرب شخصية، أو عالمية، وأطماع مالية؟.. وهل سيأتي علينا وقت نحترم فيه مهنة القرصان كواحدة من المهن المعاصرة التي تنضم إلى غيرها، وربما تُدرج في تخصصات الجامعات؟ إنها تساؤلات لابد أن تفصح عنها إجابات.

* * *

آخر الأخبار
معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق سرقة أجزاء من خط الكهرباء الرئيسي المغذي لمحافظتي درعا والسويداء الاحتلال يصعد عمليات الهدم والتهجير القسري في طولكرم ومخيمها إسبانيا وبولندا ترحبان بإعلان تشكيل الحكومة السورية "تجارة حلب" تختتم فعاليات مهرجان رمضان الخير وليالي رمضان مُحي الدين لـ"الثورة": نجاح الحكومة يستند إلى التنوع واختلاف الآراء والطاقات الشابة