« نحتفل اليوم بمرور سبعين عاماً على فوز لوحة (كفر جنّة) للفنان فاتح المدرس بالجائزة الأولى للتصوير في معرض رسمي أقيم في دمشق، فكان ذلك تأريخاً رسمياً لانطلاق عصرالحداثة، وتحرير الوعي الثقافي في الفن التشكيلي السوري وإطلاقه إلى آفاق أرحب وأغنى»
بهذه الكلمات افتتحت الدكتورة لبانة مشوح، وزيرة الثقافة، الموسم الخامس لأيام الفن التشكيلي السوري الذي تزامن مع حدث كبير آخر هو مئوية الفنان المعلم فاتح المدرس. الذي نجح بإكساب مفاهيم الحداثة في الفن التشكيلي احترامها، حتى عند أكثر الناس تحفظاً، بفضل قوة حضوره الثقافي والإبداعي الذي دفع بكثيرين لإعادة النظر في قناعات مسبقة، ومفاهيم شائعة. وقد كرّست أيام الفن التشكيلي السوري تقليد الاحتفال بأحد الفنانين الرواد منذ موسمها الثالث حين احتفلت بمئوية الفنان المعلم نصير شورى، ثم احتفلت في موسمها الرابع العام الماضي بمرور مئة وعشر سنوات على رحيل الفنان المعلم محمود جلال. وتخطط للاحتفال في موسمها السادس العام القادم بمئوية ولادة كلّ من الفنانين المعلمين محمود حماد وأدهم إسماعيل.
كان فوز (كفر جنّة) بمثابة إعلان عن انطلاق اتجاه حديث في الفن التشكيلي السوري يستمد مصادره من الطبيعة والناس في البيئة المحلية، ومن أساطير الحضارات الأقدم على الأرض السورية، ويواكب راهن عصرنا. تصور اللوحة، وهي على اسم قرية صغيرة جميلة من ريف حلب، مشهداً طبيعياً مما اختزنته ذاكرة المدرس البصرية خلال طفولته الأولى في قريته (حريتا). حيث تتناثر أشجار قليلة متفرقة بين سهول القمح الممتدة على اللانهاية، تتماوج بين ألوانها الصفراء والخضراء، متحدة مع السماء المشرقة. واختار المدرس مقاربة مشهدية بين شجرة عملاقة راسخة في الأرض، وبين امرأة ريفية متحدة بدورها بالأرض. وبصرف النظر إن كان لوجود القمح دلالة تتعلق بثقافة منطقتنا. أو كان هذا الوجود مجرد مصادفة. فإنه أظهر الهوية البيئية المحلية. التي ظهرت جلية أيضاً في ثوب الفلاحة، رغم غياب التفاصيل. وقد استعارت أيام الفن التشكيلي السوري هذه اللوحة من المتحف الوطني بدمشق وعرضتها خلال احتفال الافتتاح في البهو الفخم لقاعة الأوبرا، بين سبع من لوحات المدرس المقتناة من وزارة الثقافة، و المتنوعة في مواضيعها وألوانها، المتحدة في روحها وسموها الإبداعي.
منذ موسمها الأول سعت أيام الفن التشكيلي السوري لتسليط الضوء على تراثه الثري، فكانت اول جملة أُستُهِلَ بها فيلم افتتاح الموسم الأول لأيام الفن التشكيلي وصف الفنان المعلم الياس زيات للحراك التشكيلي السوري المعاصر بأنه : وصل ما انقطع من تاريخنا الفني. وتبع ذلك سرد تاريخي بصري لفنون سورية بدءاً من منحوتات معبد العيون في تل براك (الذي استوحى منه الفنان البارع عبد الناصر ونوس لوغو الاحتفالية)، مروراً بالفن الآرامي والفينيقي و الهلنستي والتدمري والمسيحي والاسلامي، وصولاً إلى الفن السوري الحديث. وقد أكّد الموسم الثاني هذا التوجه فحمل عنوان :(ذاكرة الإبداع.. سورية) ثم كرّسه الموسم الرابع الذي أقيم العام الماضي تحت عنوان :(سورية 10000 عام) وهو مأخوذ من عمر أقدم اللقى الأثرية الفنية التي عثر عليها (حتى الآن) وتتكون من ثمانية تماثيل صغيرة (دمى) من الصلصال المقسى بالنار والحجر الكلسي، محفوظة في المتحف الوطني بحلب. تمّ اكتشافها خلال التنقيبات الأثرية في تل مريبط بجوار الضفة اليسرى لنهر الفرات الأوسط، على بعد 80 كم جنوب شرق حلب. (وللحديث تتمة).