يجتهد العاملون في الشأن الثقافي والفني على النهوض بعتبة الوعي لدى المواطن عبر فعاليات وأنشطة متنوعة تتضمن الاهتمام بالكتاب والوقوف عند مضامينه في غير ندوة تحتضنها بعض المنابر الثقافية ليغوص فيها المحاورون بحثاً وتحليلاً لإظهار جوانب هامة تثري العقل وتجمع شمل الكلمة على مائدة الوعي والرؤية الصائبة في اتجاه بناء مجتمع أفضل.
هذا جانب، وجوانب عديدة تشهدها الساحة الثقافية ،وخصوصاً على صعيد الدراما والمسرح والسينما، والمهرجانات التي تعبّر عن غنى المضمون في ملامسة واقع الحياة والوقوف عند تفاصيل من الأحداث للخروج منها أكثر قوة ووعياً من أجل بناء مجتمع متماسك ومعافى.
فالفنون كما عرف عنها تساهم في تجاوز عتبات الألم وتكون كالبلسم الذي يداوي جراحات الروح والنفس، وربما انطلق الفنانون التشكيليون في ملتقاهم الأخير في جبلة من هذه الرؤية عندما أطلقوا عنواناً له:” الفنون عتبة لتجاوز الألم” وأنتجوا في ختامه عدداً كبيراً من اللوحات التي كانت تحاكي الحلم والأمل المشرق الواعد.
وقد جاء هذا الملتقى كمبادرة وجدانية في الوقوف إلى جانب هذه المدينة الوديعة التي تعرّض أهلها لصدمة عنيفة بسبب الزلزال، فكانت اللوحات تعبّر عن هذه الكارثة الحقيقية، تؤرخ لها عبر اللون والشكل، وتعيد بناء جسور من المحبة بين الأفراد للتعاون والنهوض وإعادة البناء من جديد.
وإيمانا من أن الفنون ليست فقط عتبة لتجاوز الألم، بل هي في الآن نفسه فسحة لبناء ذاكرة من الوعي، سعى الفنانون إلى الاستثمار والعمل من خلالها لبناء عالم جديد تكسوه الكثير من العبر والارتقاء لتجاوز تلك المحنة والوصول إلى ولادة جديدة عنوانها وطن الحق والخير والجمال.
ومن أجل بناء ذاكرة من الوعي، كان مدرّج جبلة الأثري الذي يمثل رمزاً مهماً للعراقة والتاريخ، هو الحاضن لهذا الملتقى، فاجتمع في حضرته مجد الأجداد ووفاء الأحفاد في بناء جسر حضاري يتحدى عاديات الزمن ويتصدى للغزاة، كما التاريخ يحكي حكايات شعب عصي على الهزيمة، شامخ ببطولاته وفنونه وحضارته.