الثورة – محمود ديبو:
بالقدر نفسه الذي بات مطلب زيادة الدخل والأجور لشريحة العاملين بأجر ملحاً وضرورياً، فإنه أيضاً بات يحظى بتأييد ومطالبة عدد من التجار والمنتجين ومقدمي الخدمات وغيرهم الذين يواجهون تراجعاً كبيراً في مبيعاتهم نتيجة الضعف المستمر الذي يصيب القدرة الشرائية لمحدودي الدخل وعدم تمكنهم من تأمين كافة مستلزماتهم المعيشية الضرورية للحياة العادية.
ولعل لسان حال الكثير من أصحاب المحال وحتى باعة الجملة والمفرق وبعض المنتجين يدعو إلى الجدية بالنظر إلى مستويات دخل المواطنين العاملين بأجر محدود وهم بذلك إذ يؤيدون هذا المطلب فإنما يسعون من خلال ذلك إلى إعادة جزء من التوازن الذي افتقدته الأسواق المحلية بسبب الركود وتراجع المبيعات بشكل كبير لدى معظمهم.
فإن كان التركيز ينصب اليوم على مسألة الإنتاج وتحسينه كماً ونوعاً فإنه ولتكتمل المعادلة الضرورية لتنشيط الاقتصاد، لابد من تصريف هذا الإنتاج لتستمر العجلة بالدوران وتتطور، وتسويق الإنتاج يحتاج إلى أن يمتلك المستهلكون القدرة الشرائية التي تتناسب مع مستويات الأسعار الرائجة للسلع والخدمات، الأمر الذي يسرع دورة رأس المال العامل ويرفع مستويات القيمة المضافة لرؤوس الأموال الموظفة في عمليات الإنتاج المختلفة، فمن المعلوم أنه كلما قصرت المدة الزمنية لدورة رأس المال وزادت عدد الدورات كلما انعكس ذلك على نمو الاستثمار أياً يكن.. واطمئنان رأس المال واندفاعه بثقة في العملية الإنتاجية والخدمية.
ولدعم العملية الإنتاجية أيضاً لابد من توفر البيئة المناسبة المتمثلة أولاً بتوازن سعر الصرف بما يضمن عدم تآكل رأس المال العامل، إلى جانب سهولة تناول مستلزمات الإنتاج من المواد الأولية وغيرها استيراداً أو من الأسواق الداخلية وعدم احتكارها لدى بضع موردين، بالتزامن مع تقديم احتياج المنتجين من حوامل الطاقة (الكهرباء، الفيول، المازوت،…) وتجنيبهم اللجوء إلى الأسواق الموازية وشرائها بأسعار مضاعفة.
وفي سياق الحديث عن ضبط الأسعار وقمع حالات الاستغلال تجدر الإشارة إلى أنه كلما تعاظمت تكاليف الإنتاج كلما ارتفعت الأسعار بالقدر الذي يغطي هذه التكاليف، فالمنتج لن يكون مهتماً كثيراً في المشاركة بتخفيف الأعباء عن المستهلكين طالما أنه قادر على إضافة أي تكاليف زائدة على السعر النهائي للمنتج أو الخدمة التي يبيعها..!!
نعرف أن كل ما تقدم أصبح من البديهيات ولم يعد خافياً على أحد، ولا يتضمن أي إضافة جديدة، ولا نورده في سياق التنظير أو تحقيق سبق في اقتراح الحلول، وإنما نجدد التأكيد عليه لنقول بأن كثيراً من المشكلات والصعوبات لا تحتاج إلى مزيد من العصف الفكري واللجان والدراسات والاستشارات الفنية وغيرها لاستشراف آفاق الحل، وإن الأمر سيتحقق بمجرد توفر الإرادة لدى دوائر القرار بوضع الحلول موضع التنفيذ العملي مهما كانت الصعوبات.
فالخسائر في تزايد مستمر وكل يوم تأخير لن يكون في صالح إطلاق العملية الإنتاجية ووضعها على المسار الصحيح لها.
وإن كان الحديث دائماً يتركز على ظروف الحرب والحصار والعقوبات الاقتصادية بوصفها المعطل الأساسي لأي نشاط أو خطط أو برامج دعم وإصلاح، فإنه بات من الضروري اليوم في ظل استمرار هذه الظروف أن نحولها إلى عوامل محفزة لمواجهة كل التحديات الناجمة عنها، وعدم الركون لها في تبرير أي تأخير أو تراجع أو تقصير.
فرأس المال البشري متواجد وبوفرة في مختلف القطاعات العامة والخاصة والخبرات والكفاءات والمهارات جاهزة لتقديم جهودها في مختلف المجالات، مع تنوع في مصادر الموارد الطبيعية الداخلة في بعض مجالات الإنتاج.
هذا الرقص في المكان لم يعد مبرراً ولم يعد من الملائم إلقاء اللوم على الظروف الطارئة التي يعاني منها اقتصادنا المحلي.
كل الحلول متاحة إذا ما أردنا وكل البرامج قابلة للتطبيق إذا ما قررنا أن نسرع في علاج ومداواة الجروح والقروح التي أدمت اقتصادنا.
