الملحق الثقافي – أيمن المراد:
أدب الشباب هو أدب موجّه للقراء الذين لا يزالون في فترة الشباب.
أصبح أدب الشباب يمثل حركة ثقافية وإبداعية، لجيل أدبي هو جيل الشباب فهل مصطلح أدب الشبـــاب مصطلح نوعي يتعلق بإبداعـات الكتـــاب من ذوي الأعمار اليافعة والتجارب الجديدة ؟ أم إنه يمثل جيل الحداثة الأدبية والتجديد ؟ وهل هناك أدب للشباب وأدب للشيوخ، وأدب للرجال، وأدب للنساء ؟ كل هذه الأسئلة تواجهنـا ونحن نطرح مصطلح أدب الشباب، لنستجلي الجوانب الخفية الكامنة وراء هذا المصطلح.
الفئة العمرية للشباب الذين يستهدفهم هذا النوع هي ما بين 12 سنة حتى 18 سنة،على حين أن الكُتاب والقراء لهذا النوع من الأدب في كثير من الأحيان يزعمون أنها مكتوبة لمن أعمارهم بين 15 سنة حتى بدايات العشرينيات. هذا النوع من الأدب يشار له بعدة أسماء منها روايات الشباب أو روايات المراهقين أو قصص للشباب وما إلى ذلك.
إضافة للثقافة المجتمعية التي تحيط بالشاب والتي تشغل حيزاً كبيراً من حياته، فإن المواضيع تشمل أموراً مهمة أخرى في هذا المحيط كعلاقة الشاب بالسلطة والضغوطات والتجارب الناتجة من محاولة التعلم واكتشاف الجديد. وقد تتحدث القصة في أدب الشباب عن القضايا المتعلقة بالاختلاف، كالاختلاف العرقي أو الاجتماعي أو الطبقي أو الاختلاف من جنس لآخر. بشكل عام كل هذه الأمور تحدث للشخصية الشابة الرئيسية في القصة، وكيف يمكن لها أن تتخطى الصعاب في طريق مملوء بالمشاعر والتحديات التي تأخذ القارئ معها لحظة بلحظة حتى حلها.
من سمات أدب الشباب: أن الشخصيات والقضايا المطروحة هي أمور متعلقة بالشباب؛ وتتم معالجتها وطرحها بطريقة لا تقلل من شأنها أو تزدريه، وتقدم بلغة يمكن للشباب فهمها واستيعابها، وتخدم حبكة الرواية.
تشير البحوث إلى أن أدب الشباب ربما يكون مفيداً للطلاب القراء الذين يصعب التعامل معهم من خلال طرح قضاياهم واحتياجاتهم، ويتميز كُتاب هذا النوع من الأدب بالمقدرة على وضع أنفسهم بمستوى عقلية المراهقين والغوص في اهتماماتهم وطريقة حياتهم، أما اللغة المستخدمة وحبكة القصة وحواراتها فغالبًا ما تكون مشابهة لما اعتاد عليه الطلاب في الحياة الواقعية أو بما يشاهدونه على التلفاز أو تكهناك معايير يستخدمها الباحثون لتقييم فاعلية أدب الشباب في الفصول الدراسية ومقتبسة من ثقافة المجتمع المنتشرة.
يجب أن يعكس موضوع (أدب الشباب) الذي بات ينتشر على نطاق واسع مجموعة من السمات:
المرحلة العمرية للقراء من خلال طرح اهتماماتهم، ومدى المستوى المعرفي لديهم.
يجب أن يتعامل المحتوى المطروح مع القضايا المعاصرة والخبرات والشخصيات التي ترتبط بالمراهقين.
ينبغي أن يكون الموضوع الأساسي متعلقاً بالشباب ويهمهم، كطرح أمور مثل العلاقة بالأهل والبالغين من حولهم أو مرض ما أو حالة موت أو ضغوطات تتعلق بالمخدرات أو الإدمان.
يجب أن يراعي المحتوى أموراً أشمل وأعم، مثل التنوع الثقافي والاجتماعي، والتنوع بين الجنسين، وكذلك القضايا السياسية والبيئية من حيث صلتها بالمراهقين.
يتميّز (أدب الشباب):
(1) البحث عن لغة تعبير مناسبة لتناسب المرحلة العمرية، والسياسية، والثقافية، فاللغة أضحت مرتكزاً في كتابات الشباب؛ سلباً وإيجاباً.
(2) شفافية اللغة واقترابها من لغة التعبير العاطفي في الشأن الذاتي الخاص، أو العام.
(3) التمحور حول الذات وقضاياها وأحلامها وهمومها.
(4) التجريب في النصوص؛ لغة وانتماء للأجناس المعروفة تقليدياً، لذا فرض (النص) الأدبي نفسه كجنس أدبي خاص لأنه يأخذ من الأجناس الأدبية جميعها – والشعر بالتحديد – ولكنه يتفرّد بخصوصيته. فهو يجمع لغة الشعر والقصة وأحداثها، والخاطرة وما تلمع به فكرتها.
(5) التركيز الشديد على البحث عن الانسجام الذاتي مع الحياة في النصوص الشبابية، هرباً من قسوة الواقع وقيوده التي تحد من انطلاق الروح الشبابية المتدفقة.
ومقارنة بالمرحلة العمرية للجيل السابق لجيل الشباب الحالي المعني بهذا الاستعراض، نجد غياباً للقضايا الوطنية والسياسية – على عموم الظاهرة مع وجود استثناءات – إذ يميل الشباب إلى طرح قضاياهم المرحلية أكثر مما كان يشغل الجيل السابق وهم في مثل مرحلتهم العمرية هذه.
ولعل هذا ناتج عن المفاهيم الجديدة التي استدخلت ثقافة جديدة تنسجم مع هذه المعطيات وفقاً للمرحلة السياسية.
(6) الركاكة في الأسلوب؛ فعدد من الكتابات الشبابية تركن إلى الفكرة بعيداً عن الاهتمام بتجميل أسلوب تقديمها التي ظهرت نتيجة الظروف الصعبة التي تمر بها هذه المرحلة العمرية.
(7) الإعجاب بالرمز؛ اللغة الرمزية غالباً ما تكون تقليدًا لشعراء مشهورين (محمود درويش، مثلًا) إذ يوظفونها بشكل غير ذي دلالة بعيداً عن وجود رابط يشير إلى المعنى.
(8) الميل إلى التعبير باللغة المحلية المحكية، وفي هذا إشارة إلى الابتعاد عن اللغة الفصيحة ظناً بأن اللغة المحكية أكثر تعبيرًا ونقلًا، وفي هذا التوجه العديد من المخاطر القادمة من وسائل الإعلام المختلفة.
ولعل بعضًا من الأعمال المنشورة لكتّاب وكاتبات عرب وغير عرب ممن ينحون المنحى الذي يركّز على القضايا الخلافية قد أضحوا قدوة لبعض الأقلام الشبابية. إذ خرجت من دور النشر روايات وقصص وقصائد تتمحور في أفكارها وأحداثها ولغتها حول موضوع دون سواه المعتقدات الدينية ونشأة الكون.
مسألة اللغة، والفكرة، والأسلوب، وربما القيم الثقافية الخاصة بالمجتمعات البشرية لا يراقبها إلا كاتبها نفسه، ثم من يتلقاها من القراء مختلفي الثقافات والرؤى. ولعل في التعليقات التي تعقب النشر السريع ما يوقع الكاتب في مصيدة الغرور، وفخّ الاقتناع الزائف بالقدرة والموهبة، فيبعده عن السعي لتنمية موهبته. ظاهرة هذا الأدب الجديد تفرز ضعفاً وغثاء وعجباً.
وتبرز من بين الأقلام الشبابية على الفيس بوك أقلام جادة ذات مسؤولية تجاه أقلامها وقضاياها الثقافية العامة بما فيها السياسية القريبة المباشرة، بل أحياناً يظهر هذا الوعي الشبابي المتدفق بمسؤولية ولغة وفكرة. يبقى الأمر منوطاً بالشخص الذي يبادر هو نفسه؛ فالكتابة تعكس ثقافة كاتبها، وهي مرآته الخاصة والعامة.
يبدو لنا أن المسيرة الأدبية للكاتب (الشاب) تأخذ أشكالاً متنوعة بتنوع التجارب، وطبيعة المعارف المكتسبة، واختلاف الأجواء الثقافيـــة بين منطقة وأخرى، أو بين مجتمع وآخــر، إن قصر عمر التجربة الأدبية يجعلنـــا نصفها بالشبابية والفتوة، وهي مرحلة متميزة في حياة كل أديب أو كاتب، فبداية الممارسة الإبداعية إذاً تعني أنها مازالت في طور النشوء والنمو والتدريب والتمرين، والاكتساب والتحصيل، وعلى قدر المخزون المعرفي والتحصيل العلمي تكون التجارب، وتتوضح معالم هذه الظاهرة التي تسمى «أدب الشباب».
عـــادة ماتكون هذه التجربة الشبابيــة في فترة الشبــــاب والفتوة، حيث تتفتـــح المواهب، وتظهر الميول والرغبات، فيندفع الشباب إلى كتابة النص الأدبي، سواء أكــان نصاً شعرياً أم قصصياً، أم نقدياً، وغالباً ما تتميز النصوص الأدبية الشبابية بظاهرتين متناقضتين:
الظاهرة الأولى: ظاهرة التقليد، وتمثل هذه الظاهرة فئة من الشباب الذين ينبهرون بكاتب، أو شاعــر أو روائي، فيندفعون إلى محاكاته، وتقليده في أفكاره ومواقفه، بل في صوره الفنية وتراكيبه، ثم لايستطيعون التخلص فيما بعد من أسـر التقليد نظراً لكونهم لا يقرؤون إلا له، ولا يحفظون إلا له، ولا يعجبون إلا به، والسبيل الوحيـــــد للتخلص من هذه التبعية الأدبية، والنسخ الإبداعي، هـــو تنويع القراءات، وسعـــــة الاطلاع على التجارب الأدبية من مختلف الأعمار والتخصصات والمذاهب والأساليب، وحينئذ يكتسب هؤلاء الشباب قاعدة ثقافية يمكن الاعتماد عليها، والانطلاق بعد ذلك في كتابة النصوص الإبداعية.
أما الفئة الثانية فهي تمثل أولئك الشباب الذين انبهروا بالثقافات الأجنبية، وقد يبالغ البعض منهم في الغلو والتطرف، فيرفضون الإرث الثقــــافي العربي جملة وتفصيلاً، وينفتحون على التجارب الأدبية الأجنبية، معتقدين أن ذلك الانفتاح، أو الانفلات هو عين الصواب، وأنهم لا يستسيغون القواعد الأدبية للجيل السابق عليهم، فيقعون في أســـر التقليد أيضاً، لأن التقليد هو التقليد، سواء قلدنا التجارب الأدبية العربية القديمة، أو قلدنا التجارب الأجنبية الحديثة، وإذاً فماذا ينبغي على الشباب أن يفعلوه لإثراء وتنمية مواهبهم الأدبية ؟
لاشك أن اكتساب المهارات الأدبية يحتــاج إلى وقت، ومراحل تنمو فيها القدرات وتتطور شيئاً فشيئاً، ومع سعـــة الاطلاع وإعادة النظـــــر في المواقف وتصحيحها، تتبلــور المواهب وتتعمق التجربة، فالإبداع مرحلة متأخرة في عمـــــر التجـربة الأدبية، إذ لا يتمكن الكاتب في فترة الفتوة وصغر التجربة الأدبية أن يكتب نصاً إبداعياً راقياً.
إن قريحة المبدع تشبه إلى حد كبير الشجرة التي لا تثمر إلا في أوانهـــــا وبعد مرور عدة سنوات، وهكــذا فإن الإبداع هو ثمرة هذه التجربة الأدبيـــــة، يأتي بعـــــد سلسلة من التجارب، والممارسات والقراءات، ولا يزال الأديب يواصل القــــــراءة، ويعمق تجاربه في الحيـاة والناس، ويعيد النظــــر في نصوصه ومواقفه، ويقوّم نفسه، ويصقل موهبته إلى أن يصل إلى مرتبــة متقدمـــة في الفن.
وعلى أية حال فإن آفة التجربة الأدبيـة الشبابية هي النرجسية، فإذا أصيب الأديب بالغرور، وأحس بالعنجهية والزهو أغلق أذنيه عن سماع غيره، وعينيه عن قراءة ومتابعـة النصوص الإبداعية لأدباء من جيله، أو من الجيل السابق، وإذا فعل ذلك فقد حكم على موهبته بالجمود، وإبداعه بالسطحية والتكرار، ومازال الأديب المبدع يقـــرأ ويطلع، ويتــــابع ويفهم ويستفهم، فيضيف إلى نصوصه الإبداعيــــة إضافات جديدة، ويلون صوره الفنيـــــة تلوينات وإضاءات تكشف للقارىء عوالم ممتعة، إلى أن يصل بفنه إلى مرحلة يتحول فيه إلى ناقد، فلا يرضى عن أي نص يكتبه، فليست العبرة في أن يكثر من الكتابة كما كان في السابق، ولكنه الآن يرغب في أن يقدم شيئاً جديداً يرقى إلى مستوى الفن والأدب والإبداع.
العدد 1153 تاريخ: 1/8/2023

السابق