الملحق الثقافي – رجاء شعبان:
أو لنقل كيف نشجّع الإبداع عموماً.. فالأدب جزء أو فرع من الإبداع، والإبداع ما اُبتدع به وخرج عن المألوف، والخروج عن المألوف هو القضية التي يجب أن نشير إليها ونصع إصعبنا نتلمّس الجرح فيها علّنا نشخّصه جيّداً ونشفيه.
إذاً كيف نشجع الموهبة عموماً؟ هذا يبدأ منذ الطفولة ولكن يتجلّى ذلك في زمن الشباب ومرحلة التمييز ماذا نريد وإلامَ نرمي! فإن تجلّى ذلك أدباً بإمكاننا أن نقول إنّ هذا الشاب أو الشابة مشروع كاتب أو كاتبة! إذاً كيف نشجّعه ليتفتّك أكثر على موهبته وينطلق بها ويثبت بشأنها ويأخذها مساراً حقيقياً في حياته لجانب اهتماماته الكبرى العملية، فليس بالضرورة أن يغدو كاتباً بمهنة ولكن لو أحبّ ذلك فلا مانع…
كيف نشجّع هذا الشاب ليشقّ طريق الأدب أو ليشقّ الأدب طريقاً له فيه ومن خلاله؟
الإنسان بالظروف كأية نبتة لها بيئتها وظروفها المناسبة لتنمو، معرفة ذلك يختصر الكثير من المشاكل التي تعيق هذه النبتة، فإمّا أن تكون كحشائش الأرض موسمية لا تنبت إلا لو لامسها مطر، وإما أن تكون دائمة الخضرة ونضرة لأن هناك من يسقيها ويعتني بها دائماً… والشاب رغم شغفه بهوايته لنقل هنا الأدبية فهو قد يتكاسل ويعتبرها مجرد هواية للرفاهية، وهنا يأتي دور البيئة أو المحيط، والبيئة أو المحيط تأخذ أشكالاً عدّة، فبعد العائلة وجو الأصدقاء يأتي دور المؤسسات التي ينتمي إليها الشاب سواء المدرسة أو الجامعة وبعدها الوظيفة.
ولكل دوره.. ومع بعضهم يتكاملون في خلق وبلورة هذا الشاب ذي الموهبة. فالأهل مثلاً نواة المجتمع يجب أن ينسوا ثقافة ملء البطون التي لا ولن تشبع، ففي عرفهم كل الحياة والتعب والدراسة لأجل تأمين لقمة العيش! والمجتمع كذلك لأجل تأسيس أسرة!
إذاً أين ذهبت الهواية أو الموهبة إن كان الموهوب لا يسمع إلا مثل هذه العبارات المنددة بموهبته،! فكيف سيتجرأ بإشهار أدبه وموهبته وسط أناس جوعى لا تشبع إلا خبزاً ولا ترى في العلم إلا مالاً فكيف بالأدب؟ ستراه ضرباً من الخيال أطاح بعقل صاحبه فهذى وابتعد عن عقل المجتمع القانع المنطقي الذي يعرف ماذا يريد وكيف تمشي سيرورة الحياة.
ومن دون إطالة الوقت والسيرة برأيي نشجع الشاب بأن نترك له مجالاً لنفسه مع أدبه فلا نطعنه بسيوف حكمنا المستمرة حول: انظر لحياتك بعمليّة وكن واقعياً وتزوّج وأنجب أطفالأ! فكأن الحياة بمجلها وكليّتها غدت هذا..
بأن لا نرهقه بأقوالنا وبتأويلاتنا.. وإعطاء مساحة له للتعبير عما بداخله، والاستمتاع بما يقوله لا تقييمه دائماً وتأويله، وعدم إغلاق باب الحوار والتقبّل والأخذ والردّ معه، واعتباره الشخص السوي ذي السلام وليس الحرب! وتقدير أنّ الأدب مهنة أو نهضة أو سموّ أو فنّ أو واقع كغيره.. وتشجيعه مادياً بشراء كتبه فيما لو نشر، وشكره معنوياً فيما لو أبدى وأظهر، وفتح مجالات النشر أمامه، من دون النفخ الشديد فيه فيطير بلا أجنحة ومن دون تجاهله فيزوي في زاويته كالدودة.
اذكر جبران هنا.. الكاتب المبدع جبران خليل جبران كيف أرسلت به أمه إلى المثقفين في المنطقة ليتعلم منهم ويشجعوه في الوقت الذي أراد له والده رعي الماعز في الجرود، وكيف آمنت به وسافرت لأجله وغدت هي أخوته في خدمة مواهبه مقدّرين أنه المبدع المنقذ لهم من بؤسهم وتعويض لهم عن شقاء السنوات المنقضية بالشقاء فقط..
فالوعي والتقدير والاحترام والمساعدة المساندة المادية والمعنوية وعدم الهجوم وعدم السخرية وعدم التقوّل الكثير دعائم لنجاح أية موهبة سواء أدباً أم فناً أم رياضة أو أي شيء بذهننا يحاول أن ينهض ونسكته بدواعي الخجل من تقييم خاطئ فحواه عدم أهميته.
الاعتراف والشكر والامتنان والتقييم الصح والنقد البناء والإرشادات والتعليمات وإعطاء الملاحظات الجيدة ومنح فرص للسفر والتعرف إلى كتاب ودراسة الأدب والتعمق فيه وإهداء الكتب والأقلام والأحبار الرمزية والكلمة أدوات النجاح والإبداع… ولي معكم سيرة طيبة اذكركم بها إذ فتحتم منبركم الثقافي الجميل لكل من يبدع ويحب أن يرى إبداعه متجلياً أمام عينيه.
العدد 1153 تاريخ: 1/8/2023

السابق
التالي