الملحق الثقافي- حسن حميد :
ها أنا أنظر في قلادة الأدب السوري خلال مئة سنة منصرمة، هي كلّ سنوات القرن العشرين الفارط، فتبدو لي جوهرة تتوسط هذه القلادة، جوهرة مشعّة بالنبيل، والجميل، والثمين، والأابد أيضاً،هي جوهرة الأدب التي اشتقت دروباً بكراً مدهشة، لم تعرف مثلها الروب البكر التي اشتقها الأدباء الذكور، وهي جوهرة الأدب التي امتلأت، وبثقة،بالجسارة الأدبية التي قاربت المسكوت عنه لتدك حصونه المنيعة، ولتبدي مافيه من أسرار وجماليات.
هذه الجوهرة..هي كوليت خوري!
ما كان قبلها من تجربة أدبية مكتملة لتقلدها أو لتمشي في ظلالها، ولو للمؤانسة، وما كان قبلها من اسم لأديبة سورية يضيء كيما تمشي إليه لتصير كتاباتها معرفة، وما كلن قبلها من اقتحامات أدبية خلّاقة ذات فخامة لتتلبث عندها كي تعرف ما فيها من جمال، ولهذا كان لا بدّ لها من أن تخرج مثل: نبات بري لتبدي ألوانها الأدبية، ولتصير زينة من زينات الأدب السوري الذي شبّ متعافياً مع بداية عهد دولة الاستقلال السورية، وحين كتبت القصة والرواية، في زمن اللجلجة والأسئلة، أبهرت، بعد تجربة شعرية وفّرت لها حضوراً أدبياً أشار إلى براعتها في تخيّر الألفاظ الموافقة للمعاني نشداناً للبلاغة، بعد رضا داخل قلبها لكي تبدد وحشة الأدب الذي ضاففته قولاتٌ ذكورية حطّت من شأن الموهبة الأنثوية آنذاك، ولأنها نبات بري، لم تطبع ما كتبته في سورية،بل ذهبت، ومنذ البدايات، إلى عاصمتين من عواصم الثقافة العربية، هما القاهرة وبيروت،كي تصدر كتبها الأولى من أجل أن يكون الترحاب الأصل قارّاً في عاصمة الثقافة العربية: دمشق! وفي هذا جسارة عرفتها كوليت خوري مراراً في دارتها العائلية،فقد كتبت الشعر غير متهيبة،وجدها فارس الخوري شاعر من الرّف العالي، وكتبت السرد الأدبي بمختلف أنواعه،وخالها حبيب كحالة( 1898- 1965) شيخ الصحافة،وشيخ السرد الأدبي، وهذه الجسارة ابنة للثقافتين العربية والفرنسية،ولهذا بدت الطعوم الاسرة جليّة في نصوص كوليت خوري الشعرية والسردية معاً.
وكوليت خوري كائن اجتماعي مجنون بالحرية،وقد سعت الى توطيدها منذ يفاعتها،لكي تكون الحياة متجلية بضفتيها المبدعتين للرجل والمرأة في آن معاً.
وكوليت خوري كائن فوّار بالحيوية والعطاء والابتكار، فهي وقد تقدمت بها السّن، لم تغادر مربع الشباب، فقد كانت مع الشباب في حماستهم المشتعلة، وتعبيراتهم الأولى، وعثراتهم التي كان لا بدّ منها.. ليقينها التّام، بأن الشباب هم الحياة، وهم صانعوها.
وكوليت خوري.. إدارة، ومدرسة، ومعبد فهي لم تعرف ثقافة الشرنقة والتعالي والاكتفاء بمن هم حولها(وأكثرهم)لأنها خدينة الطبيعة وصنوها في المضايفة والقبول، لذلك هي دارة للأداب وطعومها، والمدرسة الرحبة للمحبة وطروسها،والمعبد الذي جعلته مراة لتأمل الجمال.
كوليت خوري التي رأيتها،في بداية عهدي بالكتابة، جوهرة في قلادة الأدب السوري،أراها اليوم هي القلادة كلّها.. حين يريد المرء الناظر اليها رؤية الأدب الجميل بألوانه ومجازاته، ومعرفة معاني عشق الأرض والتاريخ والعمران الحضاري، والوقوف في شرفة الروح النبيلة المتسامية نحو الغيوم دوماً.
العدد 1157 التاريخ:29-8-2023