الملحق الثقافي – رفاه الدروبي:
كوليت خوري حفرت اسمها في عالم الأدب ونسجت قصصها بقلم من عالم الأنوثة، لخَّصت سطوراً من تفكير امرأة وما يحيطها من عادات وتقاليد، خطَّت أناملها نحو ثلاثين كتاباً، ورضعت حبَّ الوطن.
سليلة بيت عريق
الأديب مالك صقور قال بأنَّ كوليت خوري قامة أدبية كبيرة، وركن من أركان الثقافة والأدب في سورية منذ خمسينات القرن الماضي، وروائية وشاعرة أفنت حياتها في سبيل الحرية. حملت راية تحرير المرأة العربية عامة والسورية منذ نعومة أظفارها.
وغنيّ عن التعريف بأنَّها تنتمي إلى بيت عريق، بيت الكبير فارس الخوري الزعيم الوطني، وتضرب فيه الأمثال بالوطنية والوفاء المتَّسم بهما، وأحد قادة الكتلة الوطنية. استلم مهام سياسيَّة كبيرة في حياته وأتى باستقلال سورية، لافتاً إلى أنَّ حفيدته تابعت مسيرة جدِّها الوطنية خارج أمور الطائفية لتكريس مسألة هامة في سورية تتمثَّل بنبذ التعصُّب والمذهبية، تحكي عن جدِّها ومتابعتها لمسيرته السياسية والاجتماعية، كما اشتهرت بكتابة الزاوية الصحفية اللمَّاحة الناقدة سطَّرتها أناملها في الصحافتين: السورية والعربية، وتُعتبر قامة يندر أن تنجب النساء مثلها في سورية الآن، وروائية من الطراز الرفيع؛ لكنَّها تكتب الشعر أيضاً والمرأة تختلف ولا تتكرر كالقمم العالية والأدباء الكبار على مستوى الوطن العربي.
صوت نسوي بارز
الناقد أحمد هلال أفاد بأنَّ كوليت خوري سيرة روائية ممتلئة وناهضة ليس بما اصطلح عليه النقاد بـ (الشواغل النسوية) فحسب، بل بانفتاح دلالات العلاقة الروائية ما بين المجتمع وقضاياه الإنسانية، والبرهان روايتها (أيام معه) حيث أصبحت عنواناً دالاً بين علاماتها الروائية الأخرى، لا سيما بفهم سياق الرواية التاريخية وقدرة الرواية نفسها على أن تجهر بأسئلة الواقع والحفر في أنساقه المضمرة، بآليات تشكيل روائي سجّل لها الحضور العميق في الذاكرة الروائية السورية والعربية بآن، إذ إنَّ المسألة هنا لا تنطوي على مقاربة ثيمات روايتها بقدر ما سجلت لأديبة روائية حضوراً باذخاً داخل المشهد الإبداعي والثقافي السوري، أي باستنهاضها لأبعاد مجتمعية قادرة على المستوى السيري، والذات الروائية في علاقتها مع العالم، حيث عبرت تلك الرواية الذاكرة الثقافية بما حملته من ممكنات جمالية وإنسانية ذاتية وموضوعية، شكَّلت منعطفاً آنذاك لما هو أبعد من نص روائي تكتبه المرأة، بل إلى حضور صوت نسوي بارز ويتعالق بالواقع وممكناته وينفتح باتجاه سردية مختلفة تتجاوز واقعها إلى الاستشراف، إذ يمكن تأويل الرواية بأكثر من بعد على المستوى الثقافي والإبداعي، لكنَّها في الأعم الأغلب رواية ذات استحقاق تاريخي وإبداعي، يعني إبداع المرأة السورية المضاف إلى سلسلة إبداعاتها، وبالعلامة اللغوية فتمنح قارئها متعة الرواية ومتخيلها السردي وفي سياق تاريخي مرة أخرى نفهم من خلاله دلالات التحولات المجتمعية.
عاشقة دمشق
الناقدة إيمان النايف أشارت بأنَّها شاعرة وأديبة وإعلامية عندما تلتقيها ينفتح أمامك عالم من الأمومة والمحبة والألفة والرقة، وابتسامتها السابحة في حيوات الحنان والسمو تدخلك شاطئاً لازوردياً مزركشاً بروعة دفء العلاقات الاجتماعية والأحاسيس الإنسانية وعمق الغوص في بحر وطن يُغنِّي الحب والعشق بناي أنثى تحفظه الكلمة، وتعتبر تدفقاً يليق بمبدعة الأيام المضيئة.
تتحدث الناقدة النايف بلسانها قائلةً: «ولدتُ في أسرة صغيرة جداً ولكن كانت كبيرة بالأصدقاء والأحياء والمعارف، مستورة في حياتها العائلية الخاصة؛ ومشهورة جداً في الميدان السياسي والأدبي والصحفي؛ متواضعة في الإمكانيات المادية؛ وغنية بالوطنية والثقافة والفكر».
الأديبة خوري عشقت دمشق ومكانها الروحي الأليف. تجد في حسنها جنتها الموعودة، وفي أبوابها المفتوحة والمشرّعة للحلم أمل حياتها وسمو الغد الرائع.
أردفت إيمان عن الأديبة كوليت بأنها عندما يتلقف قلبك صوتها تحتار مايمكن أن يليق بمقامها عذوبة الترانيم، أم خشوع التراتيل، أم رائحة الأرض العطشى عندما يشرئبُّ ترابها لمعانقة لحن السلسبيل المترقرق كما أسطحة الحلم الغافي في صرخة طفل يستقبل الحياة، أم تراها الحروف في رداء التاريخ تتقدَّم في آهات شمس الأصيل لتقتبس من لجين السحر وهمسات العاشقين شدو الاسم وعذوبة اللقب وترنُّم الشلال لتجتمع في استراحة الحروف ومرافئ السفن ومطارات اللقاء بعد غياب طويل.
إنَّها سيدة القلم وعاشقة الشعر أيقونة الوطن جعلت من الكلمة الجامدة روحاً ترفل برفة الأنثى وتغتسل بعطاء الأمومة حتى ليحتار المتتبِّع لأدبها لمن أعطى الرهافة والأمومة والعاطفة للآخر في أم الأدب.
بينما تتالت رواياتها وقصصها القصيرة ومقالاتها ودراساتها التاريخية حتى زادت عن الثلاثين كتاباً.
لايختلف اثنان على أنَّ لكوليت حضوراً مميزاً في المجالات الأدبية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وتُعتبر من رائدات تحرُّر المرأة في الوطن العربي، كما أنَّها صاحبة شخصية غنية متعددة الجوانب ارتكزت شهرتها على روايتها الأولى «أيام معه» الصادرة في بيروت عام ١٩٥٩، مُثيرةً ضجَّةً في الأوساط الأدبية والاجتماعية لأنَّها كتبت فيها علانيَّة عن الحبِّ، وكانت أول كاتبة سورية تكتب بجرأة عن موضوع يعتبر من التابوهات في المجتمع السوري المحافظ آنذاك، حيث استلهمت «أيام معه» من علاقتها مع نزار قباني خلقت في قصتها امرأة قوية لم يكن حبُّها ليعميها أو يجعلها ضعيفة من أجل الحفاظ على صورة القائد القوية.
كانت بطلة الرواية في قصتها «ريم» ضد المجتمع وعائلتها تحاول تكوين هويتها الشخصيّة، وعلى الرغم من وفاة والدها كانت تشعر بوجود المهتمين يطاردونها حتى بعد سفره للكون الأعلى فتشعر ريم بالاشمئزاز من الزواج في شكله التقليدي، كما تمرَّدت على العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة. لم تنسَ ولاءها للوطن؛ بل أفردت له في قصصها متسعاً بدا في كتابها: «سنوات الحب والحرب» الصادر عن الهيئة العامة للكتاب أبدعتها بين عامي ١٩٧٣-١٩٧٩ أرَّختها عن حرب تشرين في مقالات أدبية وقصص قصيرة.
العدد 1157 التاريخ:29-8-2023