في أواخر الستينيات حين كانت قضية فلسطين تؤرجح مشاعرنا بين يأس صنعته نكسة حزيران، وتحد أوقدت روح الأمل فيه نهضة المقاومة الفلسطينية المسلحة وإعادة بناء الجيشين العربي السوري والمصري قرأت اسم الشاعر يوسف الخطيب أول مرة فحفظته لبقية العمر، كان ذلك على مفكرة سنوية تحمل اسم (المذكرة الفلسطينية) دأب الراحل الكبير على إصدارها مابين عامي 1967و1976 مضمناً صفحة كل يوم فيها حدثاً تاريخياً حدث في مثل ذلك اليوم قبل سنوات قليلة أو كثيرة يرتبط بقضية فلسطين بشكل من الأشكال.كانت المذكرة على بساطة فكرتها وصعوبة تنفيذها تجعل مستخدمها على صلة يومية بقضية أراد لها العالم أن تدخل مغار النسيان وأصر أبناؤها وشرفاء العالم أن تبقى حية في الذاكرة،إلا أن الأهم فيها أنها لم تكن تورد الحدث بشكل محايد إنما مع تعليق بليغ موجز لا تغيب عنه روح نقدية لاذعة تصب غضبها على نفاق الغرب الذي صنع المأساة الفلسطينية فيما هو لا يكف عن التشدق بحقوق الإنسان،وقد نجد في السيرة الذاتية للشاعر الخطيب جذور هذا الموقف الجلي من الغرب الاستعماري حين يؤرخ لصرخة ولادته بالقول: «لا أدري، أكانت صرخة الميلاد التي أطلقتها في صبيحة ذلك اليوم من مقتبل الربيع، مجرد أداء عضوي لتلك الوظيفة الفسيولوجية الكائنة في فطرة الإنسان، أم رجع صدى لصراخ وطن بأكمله، وشعب بأسره، واقعٍ تحت نير الاحتلال البريطاني، والاستعمار الاستيطاني اليهودي، في حين كانت مآذن فلسطين، وأجراسها، ما تزال تنعي بأسىً عميق “ثلاثة الثلاثاء الحمراء”، فؤاد حجازي ،وعطا الزير، ومحمد جمجوم، وهم يتأرجحون تباعاً في أنشوطات إعدامهم في سجن عكا المركزي،في أعقاب ثورة البراق.. » كان لهذا الشكل من التأريخ أسبابه العميقة في مشاهدات الطفل المباشرة لبشاعة الاحتلال البريطاني لفلسطين وتواطئه مع المستوطنين الغرباء مثلما حدث يوم اندفع الجنود البريطانيون عند الفجر إلى منزل أسرته في قرية (دورا) قرب الخليل خالعين الباب الخارجي بأحذيتهم الثقيلة بحثاً عن خرطوشة فارغة تودي بصاحب البيت إلى الأشغال الشاقة،أو طلقة رصاص حية قد توصله إلى حبل المشنقة.وأيضاً حين مزقت طائرة حربية بريطانية بنيرانها أحد أبناء القرية،وقد ظل مشهد الجنود البريطانيين في الجوار أثناء الحرب العالمية الثانية يثير في نفسه الحنق من غدر البريطانيين بحلفائهم العرب بعد انتهاء الحرب من جهة،وباستسلام العرب إلى الوعود البريطانية الكاذبة من جهة أخرى.وقد بقي هذا الموقف المزدوج:العداء للغرب المستغل الغادر،والانتقاد الحاد للموقف العربي الذي لا يرتقي إلى مستوى القضية، ملازماً لأشعاره وكتاباته طوال حياته.
لقد مثل يوسف الخطيب في سيرته الشخصية وفي إبداعه الشعري والأدبي القومي العربي الذي يستمد من تراث أمته روح التحدي وقوة الأمل والإيمان بالغد القادم ولعل أفضل ما يعبر عن ذلك قوله:
لي خلفَ هذا الزمانِ أَزمِنةٌ
يَمتدُّ بي في رِحابها العُمُرُ
فاسْتَبْقِني في مَداكَ أُغنيةً
طليقةً ، أَيها الغدُ النَّضِرُ