لم يدع الفلسطينيون مأساتهم الجديدة تمردون كشف النفاق الغربي مرة جديدة، وزيف عدالة ما يسمى بالمجتمع الدولي، وفي طريقتهم الخاصة لتأكيد شرعية قضيتهم وإصرارهم على التمسك بحقوقهم الواضحة أظهروا للعالم كله أنهم مازالوا مستعدين لبذل الدماء الذكية لإحياء ذاكرة الراغبين في النسيان..
أجيال عدة ولدت بعد اغتصاب فلسطين لم يعرف القسم الأعظم منها أرض أجداده، لكنّهم دمروا استكانة الصهيوني وحلفائه وعملائه إلى مقولة: «الكبار يموتون والصغار ينسون» حين رضي الصغار أن يموتوا شهداء حتى لا ينسى الكبار، وفي استشهادهم على أسوار فلسطين عروا مرة أخرى حقيقة مغتصب يحاول منذ أكثر من خمس وسبعين سنة تقديم نفسه كنموذج للتحضر، فيما يفضح الدم الفلسطيني المراق مجدداً الحقيقة الإجرامية العنصرية للكيان (والفرد الصهيوني) الذي لا يجد حرجاً في استخدام أعتى الأسلحة ضد مدنيين عزل ، ولا غرابة في ذلك كونه يدرب أفراده منذ سن مبكرة على هذا الإجرام وقد تحدثت صحيفة (هآرتس) يوماً عن زيارة قام بها طلاب مدرسة ثانوية في مدينة (هرتسيليا) إلى قاعدة عسكرية في منطقة النقب تمهيداً لتجنّدهم في الجيش الإسرائيلي تدربوا خلالها على سيناريو يحاكي إطلاق النار على صور أشخاص يرتدون كوفيات. و أن مذكرة بعثتها إدارة المدرسة الثانوية إلى ذوي الطلاب المشاركين في الرحلة جاء فيها أن «المسار جزء لا يتجزأ من البرنامج التعليمي عموماً ومشروع الإعداد للجيش الإسرائيلي خصوصاً». هذا الخبر لم يجد صداه المندد عند صناع السياسة الغربية وأتباعهم، وإعلامهم العالمي المهيمن، مثله مثل الجرائم التي ترتكب يومياً، وليس في ذلك ما يجب أن يفاجئنا، فالغرب الذي أقام الكيان الصهيوني قسراً على أرض فلسطين المغتصبة ليتخلص من تاريخ ممارساته العنصرية تجاه اليهود، أراد لهذا الكيان في الوقت ذاته أن يكون امتداداً له، واستمراراً لمشروعه الاستعماري القديم، وسعيه الذي لم يتوقف لتفتيت المجتمع العربي، وتقسيم المنطقة إلى كيانات ضعيفة متناحرة لا حول لها ولا قوة. وقد حصد الغرب نتائج هذه السياسة منذ قيام الكيان الصهيوني ففي حين يشيع الحديث عن سبعة جيوش عربية قاتلت ضد هذا الكيان الدخيل عام 1948 وانهزمت، تٌغّيب في المقابل حقيقة أن هذه الجيوش المتفرقة المحرومة من السلاح الكافي كان مجموع أفرادها مجتمعة لا يصل إلى نصف عدد أفراد العصابات الصهيونية المدربة على القتل، والمجهزة بكميات وفيرة من الأسلحة الحديثة. وهذه واحدة من نماذج التضليل الكثيرة التي رافقت النكبة. أما أكثرها بشاعة فهو الحديث عن بيع الفلسطينيين أراضيهم للوافدين الغرباء، في حين أن ما بيع ينحصر في بضع إقطاعيات في شمال فلسطين لملاك من خارجها، معروفين بالاسم، ويمثل جزءاً يكاد لا يذكر من أرضها التاريخية ومعها الأراضي الحكومية التي حوّل البريطانيون ملكيتها للمغتصبين الصهاينة ولم تكن مساحتها مجتمعة تتعدى عند صدور قرار التقسيم عام 1947 ال 6% من كامل مساحة فلسطين التي سلبت قسراً بعد أن هٌجّر منها أصحابها عبر سلسلة من المجازر بدأت في (دير ياسين) ولم تنته في (كفر قاسم)، ومن ثم عبر مصادرتها والاستيلاء عليها عنوة منذ 1948 وحتى اليوم بموجب قانون الطوارئ السائد في فلسطين المحتلة منذ قيام الكيان الصهيوني، والموروث عن الاحتلال البريطاني الذي أخضع فلسطين له منذ عام 1936.
موقف الغرب المتكامل مع السياسة الصهيونية وأهدافها يجب – لما سبق وسواه – أن لا يثير استغراب أحد، لكن المٌستغرب أن هناك من ما يزال يتحدث عن عدالة هذا الغرب، وعن قيمه الإنسانية والأخلاقية.