الثورة _ هفاف ميهوب:
عندما سُئل الأديب الأورغواني «ساراماغو» عن سبب تشاؤمه الدائم، أجاب:«بل هو عالمنا المشؤوم، وبكلّ الأحوال، أرى أن التشاؤم هو فرصة خلاصنا الوحيدة، وأن التفاؤل شكلٌ من أشكال الغباء، فالتفاؤل في أوقاتٍ كهذه، ينمّ إما عن انعدام أيّ إحساس، وإمّا عن بلاهةٍ فظيعة».
ما دفعني لاستدعاء قول «ساراماغو» هذا، ما نعيشه من قلقٍ ويأسٍ وتشاؤم وبؤسٍ، هو بؤس العالم بأكمله.. العالم العاجز عن إيقاف الحروب والشرورِ التي قتلت الحياة فينا، بعد أن غرزت في وجودِ كلّ منا أجله..
إنه واقعٌ يدعو فعلاً إلى التشاؤم، ولكن ليس كفرصةٍ للخلاص، كما لدى «ساراماغو» ، ولا كاحتمالٍ رأى الفيلسوف الرواقي «سينيكا» بأن علينا أن نتوقع دوماً مفاجآته الكارثية..
رأى «سينيكا» أيضاً، أن ما يدفعنا للغضب والتشاؤم، هو الأفكار التفاؤلية الخطرة التي حذّر منها ناصحاً: «يجب أن نُبقي في ذهننا احتمالية وقوع كارثة في أيّ لحظة».
بيد أن الفيلسوف الألماني «شوبنهاور» كان فعلاً وكما عُرف عنه، الأكثر تشاؤماً بين كلّ هؤلاء.. كان أيضاً، الأكثر رفضاً للتفاؤل الذي لم يكن لديه مجرّد «عقيدة خاطئة»، بل و«عقيدة خبيثة» تُقدّم الحياة للإنسان، بطريقةٍ جعلته يتيقّن بأنه:
«التفاؤل ليس مجرد عبثية، بل حتى طريقة تفكير شريرة.. استهزاء مرير بمعاناة الإنسانية التي لا توصف»..
رغم كلّ هذا التشاؤم، وجد «شوبنهاور» وغيره من الأدباء والفلاسفة المبدعين، سبيلاً لحياةٍ خلّدتهم بالحكمة والكلمة والفنّ، وغير ذلك مما جعل «نيتشه» مثلاً، وبالرغم من تأثّره الشديد بأستاذه «شوبنهاور»، يخالفه الرأي في مسألة التشاؤم والتفاؤل، حيث وجد أن كليهما يفضي إلى الآخر، وما كان ذوبانه في ألمه، إلا دافعاً محرّضاً لفلسفته، مثلما لتعريفه بكونه:
«أوّل فيلسوف تراجيدي، أي المناهض الشديد المخالف للفيلسوف المتشائم».
هاهو كاتبٌ وفيلسوف آخر يغرق في التشاؤم.. الروماني «إميل سيوران» الذي لم يمنعه شعوره بفوضى الحياة وسخريتها وتناقضها وانحطاطها ولامبالاتها، ولا حتى رؤيته بأن المياه باتت كلّها بلون الغرق.. لم يمنعه ذلك، من السعي للخلاص من كلّ هذا التشاؤم، وعبر الكتابة التي قال عن تأثيرها عليه، وعلى فلسفته:
“هل يمكنني تحمّل العيش يوماً واحداً، لولا كرم جنوني، هذا الذي يعدني بأنّ القيامة غداً؟!!”..
كلّ ما ذكرناه، يدفعنا للتساؤل: هل بات التشاؤم فعلاً، هو فرصة خلاصنا ونجاتنا الوحيدة، من هذا العالم الذي يقف على حافة الفناء؟!..
لا أعتقد لطالما، كانت الظروف التي أحاطت بكُثر من الفلاسفة والمبدعين في العالم، قاسية بطريقة لم تدفعهم أبداً، إلى التفكير بإنهاء حياتهم، وإنما إلى الخلق والابتكار، وغير ذلك مما جديرٌ بنا أن نتّعظ منه، ونمضي بعيداً عن التشاؤم، الذي يدمّر الإنسان إن لم يخضعه لوعيه وإرادته وإنجازاته
