(إضاءات)
لينا كيلاني
نعرف أن الفلسفة من أقدم العلوم التي تعنى بالتفكير العميق والتساؤلات الأساسية حول الوجود، والحقيقة، والمعرفة.. وأنها على مر العصور لعبت دوراً حاسماً في تشكيل ثقافات الشعوب، وتوجيه مسار التطور الإنساني. وفي ظل التحديات الكبرى التي تواجهنا في العصر الحديث، ازدادت أهميتها بشكل لم يعد ممكناً تجاهله، فهي التي تقدم لنا الأدوات الفكرية اللازمة لفهم الواقع، وتفسيره، كما فهم جذور هذه التحديات التي تواجه البشرية، وأسبابها سواء أكانت اقتصادية، أخلاقية، بيئية، أم تكنولوجية، وبالتالي اتخاذ الخطوات اللازمة لمواجهتها ومن ثم معالجتها بطرق مبتكرة، ومتجددة.
في ظل التحولات السريعة التي تواجه المجتمعات الحديثة كالتغيّر المناخي، ونفاد الموارد الطبيعية، والحروب، والأزمات الاقتصادية، باتت القيم، والأخلاق من الأمور الحيوية التي لم يعد ممكناً تجاهلها أيضاً، وهنا يأتي دور الفلسفة في توجيهنا نحو القيم الجوهرية، والأخلاقية الأساسية التي تساعد على التعامل بمسؤولية مع القضايا البيئية، والقيم الأخلاقية المتعلقة بحقوق الأجيال القادمة، وقيمة الطبيعة بحد ذاتها، وسلوك المجتمعات بحق المسؤولية البيئية.
كذلك فإن التقدم التكنولوجي السريع بات يطرح على الفلسفة تحديات جديدة من حيث القضايا الأخلاقية، والاجتماعية المرتبطة به بما يستدعي حثها على وضع إطار أخلاقي لتطوير التكنولوجيا، وتنظيمها بطريقة تخدم الإنسانية بشكل أفضل، واستخدامها بطرق تحقق الفوائد وتقلل المخاطر، وتعزز رفاهية الإنسان، وتوازن المجتمعات، كما اتخاذ القرارات المستدامة، والمسؤولة، وذلك عند الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، والأتمتة وما ينجم عنها من تأثيرات على البشرية بمجتمعاتها.
ومادامت الفلسفة تعزز التفكير النقدي المنطقي، والقدرة على التحليل فإنها تساعد على الأخذ بعين الاعتبار للمسائل من زوايا مختلفة، كما تعزز الجدل بشكل متسق، وتدفعنا للتفكير بشكل مستمر، وللتحلي بالإبداع، والابتكار في مواجهة ما يطرأ، وتعلمنا أيضاً أن هناك أكثر من حلٍ لا حلاً وحيداً لمشكلة ما، ومثل هذه المهارات الفلسفية تلعب دوراً حاسماً في معالجة الأزمات الكبرى، والبحث عن حلول لها.
في زمن تحديات العلم، وتطور النزاعات بين البشر، وازدياد الارتباك، والضوضاء، تساعدنا الفلسفة على التفكير بوضوحٍ وعقلانيةٍ. قد يشعر الكثيرون بالتشتت، والضياع، وربما اللامبالاة، أو فقدان الهدف في الحياة ذاتها، والغاية منها، لتأتي الفلسفة فتساعد في البحث عن المعنى الحقيقي لهذه الحياة، وللغاية النبيلة التي يجب السعي إليها، فهي تطرح التساؤلات الأساسية حول الوجود والمعنى، والتعلم، والسعادة، وبناء نظرة شاملة للعالم ودورنا فيه، فهي ليست تمريناً أكاديمياً بل هي أداة قوية للتفكير، والتحليل، والتحول الشخصي، والاجتماعي.
أما من حيث التحديات الأخلاقية كالعدالة الاجتماعية، وأخلاقيات الحكم، والتعامل مع التنوع، والتمييز، فالأمر أكثر تعقيداً إلا أنه يمكن للفلسفة السياسية أن تلعب دورها الحيوي في التحليل، والتوجيه نحو بناء مجتمعات أكثر عدالة، وتسامحاً.
لذا فإن دور الفلسفة في صياغة مستقبل البشرية لا يمكن تجاهله.. إنها بوصلة زمن التحديات التي تضبط الزوايا والاتجاهات لقدرتها على الإجابة عن أسئلةٍ جوهريةٍ، وتحليل الأحداث بعقلانية ومسؤولية، وفهم العوامل المؤثرة على حياتنا، واتخاذ قرارات أخلاقية تقدم أدواتٍ للتعامل مع المشاعر السلبية، مثل الخوف، والقلق، واليأس.. وكما يقول أحدهم أن: الحياة من دون الفلسفة هي كرحلةٍ من دون خريطة.
* * *
