الشّاعر والأكاديمي عبد الله عيسى: ظلالي على أحجارِ دمشق.. لا تزالُ تدلّ عليّ غزّة اليوم.. تُلقي بنا قبالة التاريخِ دفعة واحدة

حوار- هفاف ميهوب
بعثرت النكبة حياته، فأحال محطّات اللجوءِ إلى قصائدٍ، منها ما رجم عدوّ أرضه، ومنها ما عانق هذه الأرض، مضمّخاً إياها بعطرِ مفرداته.إنه الشاعر والمترجم الفلسطيني المقيم في روسيا «عبد الله عيسى»..

الأكاديمي الذي حاورناه عبر الفضاءِ وسألناه:
– ولدتَ في دمشق.. ماذا عن بداياتك فيها، وعن السرّ الذي جعلها لا تغادرك؟..
— نعم، ولدت في دمشق، في قرية «ببيلا»، وضمن مخيمٍ مصابٍ بكآبة اللجوء، يسمّيه أهل القرى، حارة الفلسطينيّين.كأنه مثلنا، جاء بولادةٍ قيصرية طارئة. ببيوته الطينية المتزاحمة على بعضها، وحواريه الضيّقة المشدودة بمسافةٍ، يقلّ فيها الهواء أحياناً، وكائناته الموصولة بمكانٍ آخر، يقبع وراء جبل الشيخ، واسمه فلسطين.ما عشته في هذا المخيم من تناقضات ومفارقات، شكّل عالمي الأول.. فيما بعد، ومذ فصلتُ من ثانوية «ببيلا» والتحقت بمدرسة الأندلس الخاصة، غدت دمشق مكاني الحيوي، فظلالي على أحجارها لا تزال تدلُّ عليّ، وكأنني لا أزال أعانقها بمن أحب وقوفاً، أو قائماً بالوجد الغلّاب.. لم تتركني دمشق وشأني أبداً، فقد رافقتني مُنذ ثمانينات القرن الماضي، وعندما دخلت ميدان العمل الثقافي في مؤسسات المنظمة، وكان عليّ أن أعلن، شأن المثقفين الفلسطينيين كافة، معركة الدفاع عن الصوت الفلسطيني.. يومها، كنتُ ومن معي، ننهض بقامة اللغة والنيات، كي نبني ثورة في الشعر والعالم. كان ذلك، قبل أن أنتبذ مكاناً لي في أعتى عواصم العالم الثقافية. موسكو التي لم أكن أدري يوم اخترتها، بأن دمشق ستبقى تسكن غرفتي فيها، وتذهب معي أنّى حللت..أشعر اليوم، بأن مقاهي دمشق باتت أشبه بنقاشٍ يومي مع الذات والآخر، فمعها تعلمتُ الكتابة والقراءة في الضجيج، والحب والتنفّس في الضجيج، كما لو أنها بهذا تخرجني من وحدتي الأزلية.
– تقول: «يشغلك السفرعن نفسك، وفي المنفى يسكنك الوطن»؟..كيف شغلك السّفر، وماذا فعل بك المنفى؟…
— السّفر يجعل ذاتك تقيمُ في أمكنةٍ أخرى تغيّرُ ألوانها وحالاتها، ورائحة الوقت الذي سيتركُ أنفاسه في ذاكرتك، لتؤرّخ لك في زمنٍ آخر تفقده، إلا إذا استعدته في صورِ الألبوم، أو روزنامة الماضي، أو دفقةٍ سردية يتجاور فيها بشر بألسنةٍ مختلفة، وملامح متعددة وتواريخ تسكن في المتاحفِ والأبنية والتماثيل والشوارع، مع أمكنةٍ تحكي رواياتهم، بما تنطق به من دلالاتٍ واستعاراتٍ والتباساتٍ غامضة أحياناً، أحجارها ورطنات الغرباء في أزقّتها القديمة، وكذا تأويلاتك لقراءتك الجديدة، حين تكتشف معالمها وبوابة التاريخ إليها، وشخوصها الذين لا يزالون يطلّون على الأبدية من ساحاتها. لكن إقامتك في المكان الذي تسافر إليه تظل مؤقتة. لا يصبح المكان دليلك، إلا لحظة مكوثك فيه، إلى غدك، بل يبقى دالاً في ماضيك منذ الوهلة التي تتّسع فيها المسافة بينكما..المنفى يحيلك إلى مساحةٍ أخرى، تنشغل فيها عن ذاتكَ بنكهةِ الحنين إلى تفاصيل ذاكرتك، ولونٌ مجهول غامض يتقنّع به غدك. هنا يصبح الوطن مرآة لملامحك التي تتبدّل بفعل العادة اليومية، وصورة لغتك التي تتشبّه بفكرتك الخصوصية، وهي تعبر رطنات السكان الأصليين، وأنت الغريب فيه. تماماً مثل لغتك التي تصبح وطناً، وملامحك التي ترعى تجاعيد وجهك، كما تكلأ فكرتك تضاريس الوطن، من هواجس خوفك على غده المجهول بقناعه الغامض. لا تكتفي بالمرور بمقهى إلا كي تخلق لك موطناً آمناً لجسدك وفكرتك، ولا تخصُّ ذاتك بامرأة إلا لتصبح شريكة في الذهاب معك بصحبة الوقت كله إليك، كما أنك لا تعبر الأضواء في الشوارع، إلا لتطمئن على ظلالك التي تركتها من قبل على حجارتها. في المنفى يسكن فيك الوطن بأسمائه وأوصافه كاملةً من غير سوء. لكنك لا تقيم فيه إلا فكرة تلتبس عليك، كما يلتبسُ الظلُّ على الضوءِ الذي يغادر المرآة. وكأنك أنت المحاصر بالوطن كلّما اتّسع المنفى لحريتك المفقودة.
شاعرٌ ومترجم..
-هل من قصيدةٍ ترجمتها، وشعرت بأنها تلامس روحك أو قصائدك؟.
— غالبية ما أترجمه يلامس روحي، لكن ما لامسها أكثر، قصيدة «الكوفية» التي كتبها أهم شعراء داغستان.. «محمد أحميدوف» الذي شغل منصب رئيس اتحاد كتاب داغستان حتى رحيله عام 2022.. ومما يقوله فيها:/بالكوفيّة ذاتِها/ الكوفيّة الفلسطينيّة/ أمسحُ/ مرتجفاً كصدى أنينٍ/ دمعاتيَ المجرّحات..وحدهُ الألمُ المكلومُ في باطنِ الرّوح/ ليس يُمحى/ مثل نشيجٍ مُسّ بالجنون/ نشيج العجوزِ..ذاكَ الّذي ضمّ الطفلَ المقتولَ إلى قلبه/ وكأنّه يأويه إلى نبضه الحيّ/ تماماً كما هو العلمُ، الراية/ مرفوعاً عما سواه/ وسط سعيرنارِالقصف الأعمى../..
– ماذا تقول عما يحصل اليوم في غزّة.. غزّة الصامدة والدؤوبة على مواجهة همجية عدوّها؟.
— غزّة اليوم، وقبلها جنّين ونابلس، وقبلهما القدس، بل وفلسطين كاملة منذ نكبتها الأولى، تُلقي بنا قبالة التاريخ دفعة واحدة، وقد قلنا من قبل أنّنا نحن التاريخ، وهم أعداؤنا العابرون، الطارئون على أرضنا. روايةٌ غريبةٌ تقطن في سِفرأيامنا عنوة، خلسة عن الأبديّة الّتي شاركنا في جعل بدايتها ممكنة.يريد أعداؤنا محوَ غزّة، كما كانوا يحلمون فرادى وزرافات، كي يدوّنوا غيابنا في حضرة تاريخنا، منذ كلمة البدء… لم يعد هذا المشهد الدمويّ، الذي لا مثيل له في ذاكرة التاريخ، ملتبساً. كلّ شيءٍ بسيط مثل ابتسامة مودّة تلقيها على جاركَ، خشية أن يخطف الموت أحدكما في غفلةٍ عن الآخر ..كلّ شيءٍ واضحٍ مثل قبلةٍ على جبينِ شهيد..وحدنا، فقط ، ملتبسين. نحن أشبه بشهود زورٍ نتفرّج على الدمِ المراق في أعيننا، والدمار المحدّق بنا كقلبِ كوكبٍ ساقط. وكأنّ كلّ هذا من شأن أعدائنا، أو شأن داخليّ لأعدائنا. كأنّنا أشبه بأكاديميين، نتأمّل في صدى أنّةٍ تحت الركام، كي نروي ما تبقّى منها كواقعةٍ تصلح لساردي الأحاديث، وتسكن في مخيّلات مريدي أخبار الأوّلين، بوجه ضحيّة غير ملتبسة، لكنّنا لم نكن ندري أنّها فرّت من الزمن الرديء هذا، كي تقيم في الأزليّة دوننا..كلّنا متورطون لأنّنا لم نفهم بعد، أنّ البيوت الّتي تشتعل هناك، لن تنير غرف نومنا المظلمة.
– يتمحور ديوانك الأخير: «سماء غزة تلال جنين» حول ما تحدّثت عنه. برأيك، كيف تواجه القصيدة عدوّ أرضها؟.
— في هذا الديوان، توثيقٌ للحربِ الهمجية التي يشنّها العدوّالاسرائيلي على غزّة وجنين وكلّ فلسطين.. هكذا تواجه القصيدة عدوّ أرضها.. القصيدة التي لا تعرف متى تُشنّ الحرب، لكنها تُدرك وكما قلت في أوّل نصّ من نصوص ديواني هذا، بأنْ «ستنتهي الحرب»:وستنتهي، مثلما اتّفق،الحربُ هذه أيضاً / ولن يكون بمقدورنا/ نحن جميعاً، التعساء، وخائبوالظنّ/ باحتضارِ العالمِ أجمع بين أذرعنا/ أن نخرج الأطفال/ أولئك الذين لم يعتادوا النّوم في المقابرِ قطّ/ من غرفِ الموت المغلقة. مثلاً: ذاك الّذي لم يُمهلهُ رسولُ القتلِ أن يتوسّله: «لم أعشْ بعد كفايتي/ فلا تعدْ بي إلى البيت/ أمّي تنتظرني، وحدها/ بعد مقتلِ أبي وأخوتي معه/ في الحربِ الأخيرة/ قبل أن يبرد العشاء».. وستنتهي، كيفما اتّفق/ الحربُ هذه أيضاً/ ولن يكون بمقدورنا أن نموتَ من أجلكم/ نحن محض موتى..
– هل من كلمة أخيرها تقولها، ولمن توجّهها؟..
–سوفَ أعتذرُ اليومَ أيضاً لموتايَ/ أنّي أضعتُ عظامَ الضحايا الّتي أورثوني/ وأفرطتُ في جعلِ قلبي مجرّدَ قلبٍ يحبّ الحياةَ/ كليماً لأزمنةٍ أهملتْها الشعوبُ الّتي انقرضتْ خلفَها/ وبسيطاً كآخرِ معجزةٍ لي/ وأفرطتُ في جعلِ موتيَ محضَ دُعابةِ/ من كادَ يِولدُ في نعشهِ هالكاً..سوفَ أعتذرُ اليومَ أيضاً لقتلايَ/ وأصحبُهُمْ في الطريقِ إلى الأزليّةِ/ كي يشربوا/ والمُصابونَ باليأسِ/ والمُبتلّونَ بطاعتِهمْ/ نخبَ موتِ الطواغيتِ/ وسُعاةِ الحروبِ ومُغتنميها، ومُختلِسي لقمَةِ البُسطَاءِ وملحَ مآتمهم..

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق