رشا سلوم:
تشكل الرواية العمود الفقري للمشهد الإبداعي الآن.. وهي كما قال الراحل حنا مينة ديوان العرب الآن.
ويمثل الحوار عمودها الفقري وحاملها.. الناقد سمر روحي الفيصل يقدم قراءات في هذا الحوار من خلال دراسة مهمة صدرت عن اتحاد الكتاب العرب حملت عنوان: الحوار الروائي، لغته، شروطه، علاقاته.
يقول الفيصل:
(شغلتني قضية الحوار في أخريات سبعينيات القرن العشرين وبداية ثمانينياته من جانب محدد هو استعمال الفصيحة أو العامية أو ما سمي اللغة الثالثة أو الفصعامية في الحوار الأدبي.
ونشرت ما انتهيت إليه في كتابي: اللغة العربية الفصيحة في العصر الحديث عام ١٩٨٣ وعدلته مرتين في طبعتي الكتاب اللتين عنونتهما بعنوان واحد هو: قضايا اللغة العربية في العصر الحديث في عامي ٢٠٠٧و٢٠١٠ دون أن اطمئن إلى فراغي من الحديث عنه. ذلك أن معالجتي هذه القضية انطلقت من المنظور اللغوي وبقيت محكومة به لذلك بقي سؤالي المحوري هو: هل اللغة العربية الفصيحة قادرة على النهوض بالحاجات الإبداعية أم أن العامية هي وحدها القادرة على ذلك؟؟؟؟؟ وكان وراء سؤالي تاريخ طويل من الاختلاف حول العامية والفصيحة ويخيل إلي أن هذا التاريخ هو الذي شدني إلى المعالجة اللغوية وحدها وهي معالجة أساسية في أي حديث موضوعي عن قدرة اللغة العربية الفصيحة على الاستعمال في الحوار الأدبي. ولكنها وحدها غير كافية. لذلك رأيت من المفيد في هذا الكتاب أن أضيف إلى المنظور اللغوي منظوراً آخر لا غنى عنه أيضاً هو المنظور الفني لأن هذا المنظور هو الذي يحدد أدبية الحوار الروائي أي ما يجعل هذا الحوار أدباً.
وأضفت أيضاً الحديث عن حدود الحوار الروائي وعلاقته لارتباط هذا الحديث بنظرية الرواية ونقدها فضلاً عن أنه يسمح لقارىء هذا الكتاب بالاطلاع على جوانب الحوار الروائي كلها.
أعتقد أن دراسات هذا الكتاب أفادت من المنظور الفني في تعرف القيمة الجمالية للحوار الروائي. وانتهت إلى أن الحوار في الرواية لا يستقل بوظائف جمالية تميزه عن غيره من العناصر الفنية لأنه يرتبط بهذه العناصر ارتباطاً بنيوياً فيكتمل بها وتكتمل به في أثناء بناء الشخصية والحدث أي إن الحوار في الرواية يجسد وظيفته الإبداعية الجمالية في أثناء أدائه عمله فإذا استقل بنفسه في سياق الرواية خسر هذه الوظيفة. وهذا الأمر لا يعرفه الحوار المسرحي الذي يستقل بنفسه ويجسد الوظائف الجمالية وإن لم تساعده العناصر المسرحية الأخرى فهو في المسرحية السيد المطاع يبني الحدث ويقدم الشخصيات ويقود الحركة الدرامية لكنه في الرواية عنصر مساعد وليس أساسياً يسهم في بناء الحدث وتقديم الشخصيات ولا ينفرد وحده بذلك لأنه عنصر معين على أداء هذه المهمة الفنية ليس غير.
يمكنني القول أيضاً إن الحوار استناداً إلى المنظور اللغوي رسالة بين الروائي (المرسل والمتلقي) المستقبل وكل رسالة أدبية لها وظيفة فنية جمالية. وهذه الوظيفة الجمالية لغوية ترتقي بالحوار إلى مستويات ماتعة إذا كان هذا الحوار كلاماً راقياً قادراً على ملامسة أحاسيس المتلقي بصوغه الفني القريب من الواقع البعيد عن الابتزال العامل على تجسيد الجمال بوساطة اللغة. وهذه الوظيفة تواجه الآن تحديات اللغة الخالية من الجمال الغارقة في تقليد الكلام المستعمل في الواقع الخارجي الحقيقي.
كما أنها بعيدة عن التخييل ومغامرة السمو والارتقاء. وقد أضيف التحدي الذي تمثله إلى التحدي القديم الخاص باستعمال العامية والغوص في تنوع أشكالها المحلية في الدول العربية فزاد الطين بلة. وقادني ذلك إلى الاعتقاد أن الروائي الذي يستعمل العامية في حوار روايته يكتب لأبناء دولته ولا يهمه أبناء الدول العربية الأخرى).