لا يرتبط القطاع الصناعي بالاقتصاد الوطني ارتباطاً هشّاً ولا واهياً، إنما ارتباط وثيق وشديد القوة، لدرجة أن العديد من رجال الاقتصاد ومنظريه يربطون الاقتصاد والصناعة برباط مُحكم اعتقاداً منهم أن الصناعة هي قاطرة الاقتصاد.
ويبدو أنّ الأمر بالفعل كذلك .. لأن الصناعة تطول الكثير من المسارات التي تجتمع بالنهاية في مشهدٍ واحد يمكننا أن نرى من خلاله المركز الحقيقي للاقتصاد وتقييمه.
فالصناعة تُشكّل سلسلة متكاملة من دعائم الاقتصاد، وأن انتعاشها يعني انتعاشاً لقطاع الاستثمار، فأغلب الاستثمارات التي يُعوّل عليها هي الاستثمارات الصناعية، ومن هذه البداهة اتجهت سورية نحو إحداث وإنشاء المدن الصناعية الضخمة، والمناطق الصناعية الصغيرة، وكذلك فعلت العديد من دول العالم، فالاستثمار الصناعي يعني إسهاماً فعالاً في علاج مشكلة البطالة – مثلاً – من خلال ما يمكن أن يخلقه من فرص العمل، كما يعني زيادة الإنتاج وتنويع مصادره، ويحقق فرصاً حقيقية لزيادة الدخل.
ومن شأن زيادة الإنتاج الصناعي فتح الباب واسعاً لارتفاع مستوى الصادرات، وبالتالي زيادة واردات القطع الأجنبي تلقائياً، وسدّ حزمة واسعة من احتياجات المستهلكين المحلية، ما يعني تخفيض مستوى المستوردات وبالتالي تقليص نفقات القطع الأجنبي تلقائياً أيضاً، الموصِلة بالنهاية إلى معالجة المشكلات الناجمة عن عجز ميزان المدفوعات الذي نعاني منه الكثير في هذه الظروف القاسية، وتعاني منه على العموم أغلب الدول النامية.
كما أن الصناعات الغذائية والنسيجية تسهم بشكل كبير بانتعاش القطاع الزراعي نتيجة الطلب المتزايد الذي ستحظى به المنتجات الزراعية التي تُشكّل المواد الأولية لتلك الصناعات ذات الأهمية الكبيرة في تحقيق القيم المضافة المحرزة عند تصنيع المحاصيل بدلاً من تصديرها بشكل خام.
كما أن الصناعة تسهم في تحفيز العقول، لأن القطاع الصناعي هو أكثر القطاعات حاجة لاستخدام التكنولوجيا، التي تحتاج بطبيعة الحال لمبدعين ومنتجين لها، أو على الأقل لمن يتعاطى معها بإتقان.
والصناعة تسهم أيضاً بانتعاش طيفٍ واسع من الجوانب الأخرى كانعكاس نشاطها بشكل كبير على خدمات النقل والاتصالات والخدمات البنكية والتأمينية، وما إلى ذلك.
في الحقيقة إن ما دعاني لاستذكار هذا التناغم بين الصناعة والاقتصاد هو تبديل حقيبة الدكتور محمد سامر الخليل في التشكيلة الحكومية الجديدة من الاقتصاد إلى الصناعة، وهي فرصة نادرة نأمل أن تُسعفه الظروف ليتمكن – بقدراته العلمية وبخبراته العملية بعد أن تلمّس بيديه مدى حاجة الاقتصاد للصناعة – من أن يضع بصمات واضحة وقوية في تعشيق الصناعة التي يقودها اليوم مع الاقتصاد الذي كان بالأمس يقوده، فليسمح لنا الوزير الخليل أن نبدي توقعات طيبة مفادها بأننا سنرى على يديه كيف سيصنع الاقتصاد هذه المرة ليظهر أمامنا بمشهد مختلف عبر البوابات الصناعية المختلفة، ونشهد أيضاً تدوير محرك القاطرة التي تعب الاقتصاد وهو يترقّب وصولها كعاشقٍ على محطة انتظار.

السابق
التالي