الملحق الثقافي- آمنة بدر الدين الحلبي – جدة:
كسرب حمام جميل مرت أمام عيني ذكرى العاشر من رمضان 6/ 6/ 1973 كنت على مشارف الثانوية العامة ـ عنفوان الشباب ـ فانطلقت عاقلتي من محبس المادة إلى فضاء الحلم العربي بتحرير القدس واسترجاع الأرض بعد حرب الخامس من حزيران 1967م التي نشبت بين الاحتلال الإسرائيلي وكل من مصر وسورية والأردن، وتركت ندبة على الجبين حين خسر فيها العرب مزيداً من الأراضي لمصلحة الكيان الإسرائيلي، وهي شبه جزيرة سيناء، وقطاع غزة، والضفة الغربية، ومرتفعات الجولان، كما هُجِّر مئات الألوف من الفلسطينيين، اهتزت الروح العربية، واهتز الشموخ والعزة والكرامة.
فامتطى صهوة القلم أنامل الكتاب ليسطروا بدمائهم آثار النكبة ويبحثوا عن بصيص أمل بالنصر واسترجاع ما ضاع من الأرض والكرامة العربية، وتعزيز شعلة النضال والمقاومة، وانتفض الشاعر نزار قباني بكل ما يملك من عنفوان الرجولة ليخط بقلمه قصيدة بعنوان: «هوامش على دفتر النكسة» وحولت حروفه الحانية التي كانت تعج بالغزل إلى سكين تنشب في صدر كل مقاوم رافضاً للهزيمة حين كتب
أنعى لكم نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة
مالحة في فمنا القصائد.
مالحة ضفائر النساء
والليل والأستار والمقاعد.
مالحة أمامنا الأشياء يا وطني الحزين
حولتني بلحظة من شاعر يكتب الحب والحنين لشاعر يكتب بالسكين.
وانتفض الكثير من الأدباء والشعراء والمفكرين بالحرف المقاوم ضد الكيان المغتصب إلى أن جاءت اللحظة المفصلية في العاشر من رمضان لتمحو آثار النكسة وتغير مسار الأمة وتصنع المجد بسواعد أبنائها البررة، وسطرت التاريخ من جديد حرب تشرين التحريرية التي أعادت جزءاً من الأراضي العربية، وزينت الجباه بالعزة والكرامة لأنها أسست لمرحلة مفصلية في التاريخ التحرري المعاصر حين أثبتت قدرة المقاتل العربي في ساحة العزة والكرامة والنصر، وحطمت أسطورة الجيش الذي لا يُقهر، وحققت النصر وأسست لمرحلة مغايرة وجديدة في النضال العربي، بعد خيبة أمل في حزيران أصابت الشعب العربي في مقتل، من مقاتلين في ساحة المعركة إلى مفكرين وأدباء في الساحة الثقافية والأدبية والفكرية.
لذلك بعد النكسة كُرِّست كل الجهود لتغيير قواعد الاشتباك واستراتيجيات الدفاع، ووضعت كل الإمكانات لخدمة القضية الفلسطينية، والعربية على حد سواء لتحقيق الانتصار على عدوٍ لئيم عتّلٍ زنيم، مغتصب غشيم.
وجاء المخاض بحرب تشرين التحريرية لترد روح الانتصار إلى الأمة العربية كي تصنع مجداً مقاوماً سار على طريقه الأدباء والشعراء الذين حملوا حزناً عميقاً في أعماقهم مسحوه في حرب تشرين التحريرية بفضل بطولات الجيش السوري والمصري و»التي ردت روح الانتصار لأبناء الأمة المقاومة» كما وصفها الروائي الكبير نجيب محفوظ.
ولأن الحروب تشحذ عقول الأدباء وملهمة للشعراء قال شاعر الياسمين نزار قباني وتغنت بأمجاد هذه الحرب حيث رصّع بالذهب السيف الدمشقي حين قال:
جاء تشرين يا حبيبة عمري أحسن الوقت للهوى تشرينُ
ولنا موعدٌ على (جبل الشيخ) كم الثلج دافئٌ.. وحنونُ
سنواتٌ سبعٌ من الحزن مرت ماتَ فيها الصفصافُ والزيتونُ
سنواتٌ فيها استقلتُ من الحب وجفت على شفاهي اللحونُ
سنواتٌ سبعُ بها اغتالَنا اليأسُ وعلْمُ الكلام.. واليانسونُ
شام.. يا شام يا أميرة حبي كيف ينسى غرامـه المجنون؟
أوقدي النارَ فالحديث طويلُ وطويلُ لمن نحب الحنينُ
شمس غرناطةَ أطلت علينا بعد يأس وزغردت ميسلون
جاء تشرين.. إن وجهك أحلى بكثير ما سـره تشـرينُ؟
اركبي الشمس يا دمشق حصاناً ولك الله حـافظ وأميـنُ
حرب تشرين التحريرية ردت الروح للأمة العربية وكأنها ولدت من جديد لأنها خاضت أعتى المعارك في سيناء والجولان ومن الواجب أن نمجدها ونعطيها حقها حين نعيد الذكرى التي غيرت مسار الأمة وصنعت المجد آلمت الكيان الاسرائيلي الغاصب وكسرت شوكته حين أطلق عليها حرب الغفران كما قالت «غولدا مائير» رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك «لا شيء أقصى على نفسي من كتابة ما حدث، لم يكن ذلك حدثاً رهيباً فقط بل كانت مأساة عاشت وسوف تعيش حتى الموت».
والأديب السوري الدكتور الراحل عبد السلام العجيلي كانت لهُ حكايته السردية التي عبرت عن ما حُفر بوجدانه في انتصار تشرين وهي «أزاهير تشرين المدماة» حيث اعتمدت الرواية على التوثيق والسرد للحالة العميقة المُدركة لحقيقة الانتصار ورمزية الانتصار.
أمّا ابن اللواء السليب الأديب الكبير حنّا مينة طرح الحالة الوجدانية التي تزيّنت بـ»عريشة الانتصار» وصوّر لنا أجمل الصور، وسطّر الانتصار بحروفه لحظة بلحظة حين رسم مشهد تحرير أبطال الجيش العربي السوري لجبل الشيخ، حيث ركّز على مشاعر البطولة، وعلى أهمية العزيمة في ما تحقق بمعارك تشرين.
ولم تكتف الأمة العربية هاهي اليوم على مشارف تشرين التحريرية، معارك الشرف تتجدد وتحقق الانتصارات في سورية ولبنان والعراق وفلسطين واليمن لكسر العنجهية الصهيونية والتي امتدت من 2000 وتحرير الجنوب إلى أن جاء 2006م رأينا كيف عززت المقاومة إنجازاتها على طريق القدس وسارت بخطى حثيثة إلى تشرين اليوم لتكتمل الصورة بالعزيمة والشموخ والتحرير في معارك الشرف وبطولة المقاتلين من المسافة صفر في أرض المعركة التي يديرها رجال الله على الأرض لتكمل مشوار النصر والعزة والكرامة.
وما نراه أن البندقية ملازمة دائماً للقلم لأنه المقاوم على طريق القدس كي يرصع الوجدان العربي بالذهب الخالص ويصيغ سردية ملهمة للانتصار على عدوٍ متغطرس تروي تلك السردية دماء الشهداء بالعز والكرامة والغار يعرش على جباههم والياسمين يفوح من أجسادهم المضمخة بدماء النصر والكرامة.
كسرنا طوقَ المستحيلْ
أعدنا زمان الصهيلْ
أشعلنا الأصابعَ شموعًا
لتنيرَ للأبطالِ
الدربَ الطويلْ
حلمنا والحلم تحقق
هزمنا العدوَّ الذليل
كلابٌ مسعورةٌ
تفرحُ برائحةِ الدمِّ
وتعذيب الجسدِ الهزيلْ
ضممنا أشلاءَ بيتنا
وشفاهُ الوطن في قلبِ العذارى
أخمدنا صوتَ العويل
طارتْ فراشة الحبِّ
لـ تحتضن ما وراء الأسلاك
زهورُ شبعا والوردُ الجميل
الأمُّ حيرى تنتظر
ودمعةٌ على الخدِّ عند الأصيلْ
زغردي أماه هللّي
للنصرِ للحرية للجنوب
لبيروت العشق
لشامِ الياسمين
للجولان
لفلسطين الأبية
للأرضِ الظليلْ
لم نستكنْ يومًا
لشفاه الشوكِ تؤلمنا
هناك في القدسِ قبلتنا
وهويةُ الإنسان قبل الرحيلْ
على الحدودِ وقفنا طويلاً
والزهرُ في أعناقنا
والياسمين تناثرَ
أمام الهواء العليلْ
قفص الذاكرة انتفضَ
صحا من غفوةِ المستحيل
حطَّمَ شريط الأغلالْ
وروى أرضَ الجنوب
بدماء الشهداء النبيل
تحقق النصر
وهزمنا كل عدوٍ ذليل.
وسنهزمهم يوما بعد يوم ونعيد نصر تشرين من جديد ونرسّخ لسردية قوية على طريق القدس لتحرير بدءاً من الجولان إلى الأرض الفلسطينية وتحرير القدس ونرفع راية النصر ترفرف في سماء الأمة العربية.
العدد 1207 –1- 10 -2024