أن يتواجد المرء خارج العالم الافتراضي هو أمر طبيعي إلا أنه بات يؤرق كثيراً من الناس ممن يرسمون لأنفسهم صورة خيالية عبر المواقع الإلكترونية تكاد لا تتطابق مع الصورة الحقيقية لهم في الحياة، وكأن الذات عند هؤلاء قد انشطرت إلى ذوات متعددة كادوا معها أن يفقدوا ملامح وجوههم الأصيلة.. أو كأن الظلال قد تكاثفت حول الشخصية الواقعية حتى حجبتها، وبات من الضروري التستر عليها كي لا تهدم الملامح الجديدة التي تقمصتها تلك الشخصية، وتماهت معها.
أمثال هؤلاء يبدو انفصالهم عن واقعهم الاجتماعي واضحاً، أما انعدام الحياء في مثل هذه الأحوال لدى بعضهم فمرده إلى شغف الظهور ولو على حساب المبادئ، والقيم المتعارف عليها، حتى باتت الفضائح ذاتها لا تخيف أحداً بل إنها تحولت إلى أداة من أدوات الظهور، والشهرة ولو أنها الزائفة.. وأحكام الناس لم تعد تضير كما كانت تفعل في السابق، وللمفارقة يتجلى ذلك على أنه حالة من الجرأة، والشجاعة في الظهور مع انتفاء الخوف من نقد المجتمع بينما هي في واقع الأمر حالة من الطيش، والتهور اللذان أصبحا يصيبان نسبة هائلة من البشر بعد أن فتح الفضاء قنواته واسعاً لكل من يملك جهازًا ذكياً حاسوباً، أو هاتفاً، أو ما شابه لا فرق، المهم أن لديه منفذاً إلى المواقع الإلكترونية.
ولو دعوتهم خارج هذا العالم الوهمي، والأضواء الافتراضية لارتبكوا لأن المشهد سيبدو عارياً تماماً مما كان يغلفه من البريق غير الموجود أصلاً بعد أن تشابكت الحقيقة مع الوهم، وتلاشت الفواصل بين الذات والصورة لتبدو عندئذٍ حقيقة الإنسان في زمن الصورة.
وهكذا يصبح السؤال عن طبيعة وجود الإنسان خارج هذا العالم أكثر إلحاحاً.. فبينما يُعتبر التواجد في العالم الافتراضي أمراً طبيعياً في هذا العصر، إلا أنه يثير قلقاً متزايداً لدى كثيرين ممن يبنون لأنفسهم صوراً خيالية عبر المنصات الإلكترونية لا تمت بصلة إلى حقيقتهم.. تناقض صارخ يطرح تساؤلات عميقة حول هويتنا، بل وبعلاقتنا بأنفسنا، وبالآخرين.
فمن ناحية، يوفر العالم الافتراضي مساحة واسعة للتعبير عن الذات، وتكوين علاقات اجتماعية جديدة، والهروب من واقع قد يكون مؤلماً، أو مملاً، ومن ناحية أخرى، فإن هذا العالم الافتراضي يمكن أن يؤدي إلى الشعور بالعزلة في الوقت ذاته مادام يعتمد تزييفاً عميقاً ربما، وبالاكتئاب، وفقدان الثقة بالنفس، ويسعى الأفراد جاهدين للحفاظ على الصورة المثالية التي بنوها لأنفسهم، متجاهلين عيوبهم، ونقائصهم.
إن هذا التناقض بين الذات الحقيقية والذات الافتراضية يضعنا أمام تحدٍ كبير، وهو كيفية تحقيق التوازن بين حياتنا الرقمية وحياتنا الواقعية.. إذ إنه من الضروري أن ندرك أن الصورة التي نقدمها عن أنفسنا عبر (الإنترنت) هي مجرد جزء صغير من هويتنا، وأن قيمتنا الحقيقية تكمن في تجاربنا الحياتية، وعلاقاتنا الإنسانية، وإنجازاتنا في العالم الواقعي.
إن التواجد خارج العالم الافتراضي ليس مجرد أمر طبيعي، بل هو ضرورة حتمية لصحتنا النفسية، والعقلية، فالواقع يوفر لنا الفرص للتفاعل المباشر مع الآخرين، وتجربة المشاعر كفطرة سليمة، واكتشاف قدراتنا، وإمكاناتنا، وعندما نعود إلى عالمنا الحقيقي، نكتشف أن سعادتنا لا تكمن في عدد الإعجابات التي نحصل عليها، أو في التعليقات الإيجابية التي نتلقاها، بل تكمن في العلاقات الصادقة، والإنجازات الأكيدة، والمساهمات الإيجابية في حياة الآخرين.
في النهاية.. علينا أن نتذكر أننا بشر، وأننا نخطئ ونتعلم، وأننا ننمو ونتغير، وأن الصورة المثالية التي نسعى إليها هي مجرد وهم ما لم نقم فعلاً بالجهد للوصول إليها، وأن السعادة لا تكمن في الخارج بل في تقبل أنفسنا كما نحن، وفي عيش حياةٍ تحمل المعنى.