الثورة – سومر الحنيش:
في عالم السياسة المعقد، تبرز الرياضة كأحد أكثر الأدوات فعالية في تجاوز الأزمات، وبناء الجسور بين الشعوب والدول، وبعد رحيل النظام البائد، تواجه سوريا تحديات كبيرة على مستوى إعادة الاندماج في المجتمع الدولي، خاصة مع استمرار العقوبات التي قد تفرضها بعض الدول، بحجة الإرث السياسي والاقتصادي للنظام البائد في ظل هذه الظروف، ويمكن للرياضة أن تصبح سلاحاً ناعماً لإعادة رسم صورة سوريا عالمياً، وكسر العزلة التي عانت منها لعقود.
دور الرياضة خارجياً
عبر التاريخ، أثبتت الرياضة أنها قادرة على تجاوز الانقسامات، وإعادة تشكيل العلاقات بين الدول، مثال واضح على ذلك هو “دبلوماسية البينغ بونغ” بين الولايات المتحدة والصين في السبعينيات، والتي كانت خطوة أولى نحو إنهاء العداء بين البلدين، كذلك نجحت جنوب إفريقيا في إنهاء عزلتها بعد نظام الفصل العنصري، من خلال تنظيم كأس العالم (2010) حيث استخدمت الرياضة لإعادة تقديم الدولة للعالم.
بالنسبة لسوريا، يمكن أن تلعب الرياضة دوراً مشابهاً بعد سقوط النظام البائد، من خلال عدة مسارات عملية، أولها إعادة دمج سوريا في المجتمع الرياضي الدولي، فخلال السنوات الماضية، شاركت الفرق والمنتخبات السورية في البطولات الدولية، لكنها واجهت قيوداً أثرت على حرية التنقل والاستضافة، بعد زوال النظام البائد، إذ يمكن العمل على تعزيز العلاقات مع الاتحادات الرياضية الدولية، وإعادة استضافة البطولات في سوريا، مما يرسل رسالة واضحة بأن البلاد دخلت مرحلة جديدة من الانفتاح.
وتمثل مشاركة الفرق والمنتخبات السورية في المسابقات الدولية، مثل تصفيات كأس العالم وكأس آسيا نافذة مهمة، ليس فقط لرفع مستوى اللاعبين، بل أيضاً لتعزيز التواصل الرياضي مع العالم.
الرياضة لديها القدرة على إعادة بناء الثقة الدولية، لكن يجب أن تكون هناك بيئة مستقرة وداعمة لها، فالخطوة الأولى هي إعادة بناء العلاقات مع الهيئات الرياضية الكبرى، مثل الفيفا واللجنة الأولمبية الدولية.
استضافة البطولات الرياضية
تحتاج سوريا إلى إعادة إعمار بنيتها التحتية، وهنا يمكن للرياضة أن تكون محفزاً رئيسياً لجذب الاستثمارات، تجربة البرازيل في تنظيم كأس العالم (2014) رغم التحديات الاقتصادية، أظهرت كيف يمكن للرياضة أن تعزز الاستثمارات في قطاعي البناء والسياحة.
اتحاد كرة القدم أعلن عن إعادة النشاط الرياضي في البلاد، في نيسان القادم، والذي يعتبر انطلاقة ممتازة، ومن هنا يجب على سوريا استضافة بطولات إقليمية في كرة القدم، وألعاب القوى، والرياضات القتالية، مستفيدة من موقعها الجغرافي.
يقول المدرب “ياسر المصطفى: “إذا استطعنا إعادة بناء الملاعب والمنشآت الرياضية شيئاً فشيئاً، فسنتمكن من جذب البطولات والاستثمارات الأجنبية، ما يساهم في تحسين الاقتصاد وإعادة دمج البلاد رياضياً”.
الرياضة كجسر للسلام
تحتاج سوريا إلى وسائل لإعادة توحيد مجتمعها، والرياضة يمكن أن تكون أداة فعالة لتحقيق ذلك، يمكن إطلاق مبادرات رياضية تجمع الشباب من مختلف المناطق والخلفيات، بهدف تعزيز المصالحة وبناء مستقبل أكثر انسجاماً.
سوريا تمتلك رياضيين موهوبين في مختلف المجالات، مثل كرة القدم، وألعاب القوى، والفنون القتالية، يمكن توظيف هؤلاء الرياضيين ليكونوا سفراء للبلاد، يروجون لصورة جديدة لسوريا في المحافل الدولية.
وبدأت هذه الخطوة فعلياً في كرة القدم من خلال تشكيل لجنة لاستكشاف، ومتابعة وتدريب اللاعبين السوريين المغتربين في أوروبا من أبرز لاعبي سوريا سابقاً، وتبقى أن تلحقها خطوات مماثلة لباقي الألعاب.
ففي كل دولة خرجت من أزمة كبيرة، كان هناك رياضيون لعبوا دوراً مهماً في إعادة بناء صورة بلادهم عالمياً، والأمثلة كثيرة، وسوريا تحتاج إلى مثل هؤلاء الرياضيين، ليكونوا واجهتها الجديدة.
الرياضة كجسر للمستقبل
رغم العقوبات والتحديات، تبقى الرياضة أحد المجالات القليلة القادرة على تجاوز القيود الاقتصادية، بوجود رؤية واضحة ودعم حقيقي، يمكن أن تصبح الرياضة السورية بوابة جديدة للتواصل والانفتاح على العالم، تماماً كما فعلت دول أخرى واجهت ظروفاً مشابهة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل لدينا الاستراتيجية المناسبة لاستغلال هذه الفرصة؟