الثورة – ترجمة ميساء وسوف:
لقد سلطت الحرب السورية الضوء على المأساة الإنسانية وفشل العديد من الاتفاقيات الدولية التي تهدف إلى منع استخدام الأسلحة المحظورة، بما في ذلك الأسلحة الكيميائية، وعلى الرغم من الحظر والإدانة العالمية، فقد عُرف عن العديد من الجهات الفاعلة السورية استخدام هذه الأسلحة ضد المتظاهرين والمدنيين في مناسبات متعددة، واكتسبت قضية الأسلحة الكيميائية إلحاحاً متجدداً لجعل سوريا دولة خالية من مثل هذه الأسلحة مع تشكيل الحكومة السورية الجديدة.
فعندما بدأت المعارضة السورية باكتساب الأرض، لجأ نظام الأسد إلى استخدام الأسلحة الكيميائية للحفاظ على سلطته والسيطرة على المعارضين، خوفاً من فقدان السلطة، وعلى وجه الخصوص، تم استخدام غاز السارين والكلور وغاز الخردل بشكل عشوائي ضد البنى التحتية العسكرية والمدنية، وخلفت ثلاث حالات من استخدام الأسلحة الكيميائية في المناطق المدنية تأثيراً عالمياً، وقع أول هجوم كبير بالأسلحة الكيميائية في الحرب السورية أثناء هجوم الغوطة في عام 2013، حيث تم إطلاق صواريخ مسلحة بغاز السارين منذ ساعات الصباح الباكر على قطاعات تسيطر عليها المعارضة في الغوطة الشرقية، إحدى ضواحي دمشق، مما أسفر عن مقتل 1500 شخص.
وقد صدم هجوم الغوطة المجتمع الدولي، لأنه مثل انتهاكاً واضحاً لاتفاقية الأسلحة الكيميائية وأثار ناقوس الخطر بشأن استعداد النظام لاستخدام أسلحة الدمار الشامل، وعلى الرغم من أن نظام الأسد نفى مسؤوليته، زاعماً أن المعارضة كانوا مسؤولين عن الهجوم، إلا أن الأدلة المتزايدة من محققي الأمم المتحدة تشير إلى أن قوات الأسد ارتكبت الجريمة.
وفي عام 2017، عُثر أيضاً على غاز السارين في خان شيخون، حيث قُصف معقل آخر للمعارضة، مما أسفر عن مقتل أكثر من 80 شخصاً بمن فيهم أطفال، ورداً على هذا الهجوم، نفذت الولايات المتحدة ضربات صاروخية، حيث أطلقت 59 صاروخاً من طراز توماهوك على المصدر المفترض للهجوم الكيميائي، قاعدة الشعيرات الجوية، وعلى الرغم من تصرفات الولايات المتحدة وإدانة المجتمع الدولي، لم يتم اعتماد القرار من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بسبب استخدام روسيا لحق النقض، حيث بدا نظام الأسد غير متأثر، واستمر في استخدامه للأسلحة الكيميائية في حوادث لاحقة.
في عام 2018، أدى هجوم بغاز الكلور في مدينة دوما، بمنطقة الغوطة الشرقية، إلى مقتل 42 شخصاً في منطقة مدنية في محاولة من النظام السوري لاستعادة المنطقة من المعارضة ووقع الهجوم الكيميائي كمقدمة لجهود متضافرة لضم المنطقة، تم تنفيذ الهجوم وسط اتفاق إخلاء، مما أثر على المدنيين الذين كانوا يحاولون مغادرة منطقة تتعرض للهجوم، وأدان المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، الهجوم، واتهم الحكومة السورية باستخدام الأسلحة الكيميائية.
وعلى الرغم من هذه التقارير والتحقيقات والإدانات العديدة، بما في ذلك تلك الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، فإن حكومة الأسد لم تواجه عواقب تذكر لأفعالها، وقد قوبلت الجهود الرامية إلى محاسبة نظام الأسد بتحديات كبيرة، بما في ذلك المواقف المعارضة المستمرة من الدول الحليفة مثل روسيا، التي استخدمت حق النقض مراراً وتكراراً ضد الإجراءات المقترحة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
ورغم أن سقوط النظام قد يُعَد انتصاراً جيوسياسياً، فإنه لا ينفي الحاجة إلى محاسبة قوات الدفاع عن جرائم الحرب التي استخدمت فيها الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين على وجه الخصوص. وقد كشف عدم إنفاذ اتفاقية الأسلحة الكيميائية ومقاومة الانتقام الدولي عن العيوب في أساسيات اتفاقية الأسلحة الكيميائية وغيرها من الاتفاقيات الدولية.
وعلى الرغم من نهاية نظام الأسد، لا تزال سوريا تحتوي على مخزونات من الأسلحة الكيميائية، ويتعين عليها الآن تطهيرها لضمان عدم استخدام مثل هذه الأسلحة في المستقبل، ولابد من تعزيز اتفاقية الأسلحة الكيميائية، وإعادة تعريف إنفاذها لمنع وقوع مآسٍ في المستقبل.
إن تعزيز آليات الإسناد والمساءلة والتعاون الدولي في إطار اتفاقية الأسلحة الكيميائية أمر حيوي لمحاسبة الجناة وردع الانتهاكات في المستقبل.
ومع تعافي سوريا من نظام الأسد، يتعين على المجتمع الدولي أن يعطي الأولوية لتدمير مخزوناتها المتبقية من الأسلحة الكيميائية، ومن خلال المراقبة القوية، والضوابط الأكثر صرامة على المواد الكيميائية الأولية، والاستجابة العالمية الموحدة فقط يمكننا منع المزيد من الفظائع وضمان عدم استخدام الأسلحة الكيميائية مرة أخرى كأداة للحرب.
المصدر- Eurasia Review
#صحيفة_الثورة