في ذكرى ضحايا الاختفاء القسري..   أم كمال تروي ل ” الثورة ” مأساتها بفقدان أربعة من أولادها     

الثورة – ثناء أبو ذقن: 

حين وضعت يدي المتجمدة على جرس بابها انتابني اضطراب وقشعريرة هزٓت كياني كله، وللحظة فكرت بالتراجع والعدول عن إجراء المقابلة، مع أم كمال السيدة التي فقدت أولادها الأربعة في سجون النظام المخلوع.

وتزاحمت أفكاري كيف ستكون هذه السيدة التي أنجبت أربعة ذكور فقط، تم اعتقالهم جميعاً ولم يبق لديها أحد.. كيف لي أن أسألها عنهم وأنكأ جروحها؟.. كيف ستروي قصتها وأنا أعيد تعذيبها بالذكريات عنهم؟

مع الخطوة الأولى داخل بيتها رحبت بي بوجهها المطمئن، فكسرت بداخلي رهبة المكان.. حاولت فتح الحديث، فأخبرتها أن لي ابن أخ مفقود منذ عام 2014 ولم نسمع عنه شيئاً، ومازالت أرواحنا وحياتنا واقفة عند هذا التاريخ.. وإنني أرغب أن أستفيد من تجربتها بالتعامل مع هذا الواقع الأليم.. صمتت طويلاً، لتقول: من قال لك أنني تجاوزت هذه المحنة، ومن يستطيع أن يتعامل مع سكين مغروسة في أعماق الروح والقلب، كل الكلام يصبح لا معنى له أمام حركة صغيرة من هذه السكين ليعود الجرح ويُفتح من جديد.

ومن دون أن أطلب منها بدأت تروي لي تفاصيل الاعتقال.. في كانون الثاني لعام 2013 اقتحم المنزل عناصر من قوات النظام المخلوع، وعلى رأسهم المدعو راتب كنعان المعروف بأبي بشار، وتم تكبيل أولادي، وغطوا رؤوسهم بثيابهم من دون إعطاء أي مبرر لاعتقالهم، ثم قاموا بالتفتيش في كل شبر من المنزل ومصادرة أشياء شخصية، مثل: الجوالات، والساعات اليدوية، والنقود وأشياء أخرى، وعندما ركلوا أولادي بأحذيتهم إلى السيارة التفت إلي المدعو أبو بشار، وقال: انظري إليهم وودعيهم فإنك لن تريهم أبداً… هذه الجملة هي الوحيدة الصادقة لديهم.

والمعروف أن راتب كنعان هو مجرم وسفاح كان السبب في اعتقال وموت عشرات الشباب والصبايا في منطقة كفرسوسة، إذ كان يتباهى بأنه المورد الرئيسي لنزلاء الفرع 215، هذا الفرع الذي اشتهر أن (الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود) لفظاعة التعذيب والتنكيل والتفنن بإذلال وتصفية كل المعتقلين فيه.

وتكمل أم كمال حديثها قائلة: بعدها حاولنا بكل الطرق أن نعرف مصير أولادي، إذ تعرضنا لكل أنواع التهديد والابتزاز، ولكن كل هذا لم يجدِ نفعاً، ولم نستطع بأي وسيلة إخراج لو واحد منهم.

اختنق صوتها وهي تقول: لا يمكن أن أنسى كيف انحنى ابني كمال على طفلته الوحيدة وقبلها، وقال لها (ادعيلي يا بنتي ارجع) وكان عمرها شهرين.

ولما ضاعت منها الكلمات سحبتني من يدي، وأدخلتني غرفة كست جدرانها بالصور لأطفال وفتيان وشباب، وأشارت لهم هؤلاء هم صور أولادي الأربعة ولم يرزقني الله ببنت.. هذه صورهم في كل مراحل حياتهم، وبدأت تعرفني على كل واحد منهم، اسمه وعمره، وتاريخ ومناسبة كل صورة عند التقاطها..

هذا كمال ابني البكر كان متزوجاً حديثاً، هذا ضياء وهو يحمل بعض الأثاث لمنزله الجديد الذي يعده لزفافه القريب، هذا علاء الهادئ دوماً، أما محمد فكان يستعد لتقديم البكالوريا.

تأملتهم معها.. وجوههم.. ضحكاتهم.. تفاصيلهم اليومية الصغيرة.. كتبهم أيام الدراسة، شهاداتهم.. جلساتهم الشبابية.. لقطاتهم المضحكة.

قالت وكلها يقين: إنها تسمع أصواتهم، وشجاراتهم على أشياء لا قيمة لها، وترى حركتهم داخل البيت..

هل ترين بعينك؟..

تركتها تتحدث كما يحلو لها ولم أوجه أي سؤال، لكنها باغتتني بسؤال هل ترين بعينك كيف أتعامل مع همي ومحنتي، هل يستطيع أي مخلوق أن يتجاوز كل هذا ويعيش براحة وطمأنينة، ولم تترك لي فرصة لأتفوه بحرف.

فقامت بفتح خزانة وأرتني ثيابهم المعلقة بترتيب شديد، ترتيب من لم يعد يلبسها أحد، وقربت قطعة ثياب وقبلتها، وقالت كلما اشتقت لهم ضممت ثيابهم لأشمّ رائحتهم بها.

أم كمال الكوالكي.. أم من آلاف الأمهات السوريات اللواتي فجعن بأولادهن ويعشن بلا روح.. أم كباقي الأمهات تعاني من جرح لا نظن أنه سيندمل ولو طال بها الزمن.. أمٌ ما زالت تبحث عن أولادها المغيبين، الذين تركوا خلفهم صمتاً قاتلاً ووحدة وفراغاً في بيت كان ممتلئاً صخباً وأماناً وحياة.

آخر الأخبار
حوران تستقبل زوارها شركة تركية بمهارات سورية تقدم خدماتها لمحتاجيها بسعر التكلفة وزير المالية: "أبشري حوران" تجسيد للشراكة بين الدولة والمجتمع في درعا توقيع بروتوكول تعاون لإطلاق منصة وطنية تدعم جهود توثيق المفقودين في سوريا ضبط الأمن وترسيخ الاستقرار مسؤولية وطنية وإنسانية بانتظار إقرار الموازنة.. خبير يتوقع أن يكون تمويلها مختلطاً "الإسلامية السورية للتأمين".. الوحيدة في معرض دمشق الدولي سوريا: قضية المفقودين والمختفين قسراً ستبقى أولوية وطنية  "غرفة صناعة إربد" تبحث تطوير التعاون التجاري والاستثمارات في درعا "عمرة" جزئية لاستمرار العملية الإنتاجية في مصفاة بانياس من زيت الزيتون إلى الأمل.. فلسطين تنبض في معرض دمشق الدولي  حملة أمنية في طرطوس تستهدف مجموعات خارجة عن القانون ترامب وكوشنر وبلير على طاولة "اليوم التالي للحرب"  "الأوروبي" يؤكد دعمه للهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا حضور لافت لهيئة الاستثمار  في  معرض دمشق الدولي بريطانيا تجدد دعمها لجهود المساءلة والعدالة الانتقالية في سوريا وزير المالية : الزيادة الأخيرة على الرواتب ستكون العام القادم   تأهيل الطريق المخدّم لسوق هال طفس "أبشري حوران" تنطلق مساء اليوم من مدرج بصرى الشام إقبال لافت على المعرض الوطني للابتكار والاختراع في "دمشق الدولي"