الثورة – أحمد صلال – باريس:
في ركنٍ متقدم من مظاهرات الثورة السورية في باريس، حيث تصل أشعة الأمل بسهولة، يجلس، يهتف الناشط السوري محمد كلوش، متحمساً كعادته، لا كراهب يبحث عن الخلاص، بل ككاهن نذر نفسه على مذبح الحرية، يمارس طقوسه في تمجيد الثورة والثوار هو حكيم يدعو إلى التغيير وإلى عدم الثبات، بل إلى التأمل في الثورة ذاتها، كما لو كان هدف الثورة مثلما يقول:”الثائر يجب أن ينذر نفسه للثورة ويرتفع معها إلى أعلى قمة شاهقة في جبل الحرية الشاهق”.
ولد محمد كلوش في قرية صغيرة في مدينة دير الزور وسط طبيعة بكر، لكنها لم تُغْره بالبراءة، منذ البداية يقول:” كنت أحدق في التشققات لا في الكمال، لأنه لا يوجد الحد الأدنى من الكمال في سوريا التي نهش عظامها النظام البائد”.
كتب بالفرنسية، ولم يتخل عن لغته الأم، وحصل على العديد من الشهادات من جامعات لبنان والجزائر ومصر وفرنسا، قد يكون أهمها التخرج من معهد “الإنكلو” ذائع الصيت، تخرج منه مختص بشمال إفريقيا والشرق الأوسط، كما لم يتخلّ عن الأحلام الكبرى: التاريخ، الدين، الثورة، وحتى الفلسفة نفسها.
لم يكن كلوش ناشطاً تقليدياً، بل كاتب فلسفي وشاعر بالنثر الأسود كما يحلو للبعض وصفه، حيث تتشابك الجمل الثورية المكثفة بالتأملات المرّة، في سطور يقول:”الهتاف صفعات خفيفة توقظ الجمهور من سبات الاستبداد في قلب مشروعه الثوري لا يكمن الشك، بوصفه خطوة أولى نحو اليقين.
كلوش.. عضو إدارة تنسيقية الثورة السورية في باريس يؤمن بالتقدم، وبالخلاص، وحتى بالمعاناة النبيلة، إذ لا يبخل على الوافدين الجدد بالمساعدة في اللغة والأوراق الرسمية، ناهيك عن ترخيصه لغالبية التظاهرات المناصرة للثورة السورية، بالإضافة للتنسيق مع الجمعيات الفرنسية.
هذا الموقف الثوري لدى كلوش لم يكن مجرد نزعة تشاؤمية رومانسية، بل فلسفة متكاملة تقف ضد النزعة الديكاتورية بكل أشكال محاربتها للكرامة والحرية والروح..
كلوش يثق بالإنسان السوري، يراه كائنا مأزوما، يعاني لأنه لم يحقق خلاصه حتى وقت قريب يوضح:” من هنا ينبع رفضي للأنظمة الشمولية”.
رغم أنه في ريعان شبابه اقترب من كونه شخصية عامة قلْ من لا يعرفه من الجالية السورية وحتى الجاليات الأجنبية الأخرى الناشطة سياسياً، محمد كلوش يشبه راهباً ثورياً لا ينشد الصفاء، بل يتأمل الضجيج الداخلي ويُدوّنه.
لا يعد بالخلاص، بل يعلّم كيف لا نحيا مع السقوط، من دون محاولة النهوض، فأفكاره ليست دعوة إلى الانتحار، بل إلى اعتراف أكثر شفافية بعبثية الحياة مع النظام الديكاتوري.. وبهذا، فإن كلوش، على سوداويته، لا يخلو من لمسة أمل:” من يقبل أن الحياة لا معنى لها، ربما يجد حرية لا يبلغها من يلهث وراء الديكاتورية”.
في عصرٍ يضجّ بالتحفيز الزائف، وبالوصفات السريعة للسعادة، يبدو كلوش ككائن حر وضروري، كمن يذكّرنا، بضجيج ماضٍ مرعب، مثلما يقول كلوش: “إن الإنسان يحتاج دائماً إلى حريات كي يستمر، بل ربما يحتاج إلى مواجهة فراغ المعنى ذاته، واستخلاص نوع آخر من الصفاء: صفاء من ينتظر الانعتاق من نير العبودية للبوط العسكري”.
إن كلوش ليس ناشطاً للمشاريع، بل للمساءلة، صوته الداخلي، المكسور كوتر كمان مهجور، يهمس: “كن يقظاً، لا لأن الأمل قادم، بل لأن كل شيء قد ينقلب إلى لا شيء وهذه هي حريتك الوحيدة.”
في زمنٍ يبحث فيه الجميع عن سبب للوجود، يأتي محمد كلوش ليقول:” لا تبحث، بل انظر في وجه العبث، وابتسم ابتسامة لا تحتقر الحياة، بل تفَهم هشاشتها، وفي ذلك الفهم، ربما، تكمن نكهة أخرى للنجاة والحرية”.